السبت، 15 فبراير 2014

سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 17- المشركون والدولة الإسلامية-3


استخدام قريش للحرب النفسية على المسلمين


قامت قريش بالحرب النفسية على المسلمين بعد فشلها في إثارة الفتنة في المدينة بين المسلمين والمشركين أرسلت قريش رسالة إلى المسلمين، قالت: لا يغرنكم أنكم أفلتمونا إلى يثرب، سنأتيكم فنستأصلكم ونبيد خضراءكم في عقر داركم.

هذا أسلوب قديم وحديث، وما زلت قريش تستخدم التهديد والوعيد.


وهذا وإن كان يحتمل أنه من قبيل الحرب النفسية الوهمية على المسلمين، إلا أن المسلمين أخذوه مأخذ الجد والاعتبار، فالعقل لا يمنع أن تغزو قريش المدينة المنورة، أو أن تخطط لقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد حاولوا أن يقتلوه أكثر من مرة، وآخرها كانت المحاولة التي تمت قبل الهجرة بقليل، وأرادوا أن يضربوا عنقه صلى الله عليه وسلم بأربعين سيفاً في وقت واحد حتى يتفرق دمه بين القبائل كما كانوا يقولون، ورصدوا لمن يقتله أو يأسره مائة من الإبل وهو مبلغ ضخم جداً، فلا يستبعد أبداً أن ترصد قريش مائة من الإبل لمن يتسلل إلى داخل المدينة؛ ليقتل الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لذلك فإن الرسول عليه الصلاة والسلام كان كثيراً ما يبيت ساهراً حذراً من غدر قريش، وفي يوم من الأيام تعب صلى الله عليه وسلم من كثرة السهر،


روى البخاري ومسلم: أن السيدة عائشة قالت: قال صلى الله عليه وسلم: (ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة، قالت: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح، فقال: من هذا؟ فقال: سعد بن أبي وقاص، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جاء بك؟ قال: وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه، فدعا له صلى الله عليه وسلم بخير ثم نام).


هذا كان حال المسلمين في المدينة المنورة، الموقف فعلاً كان متأزمًا، وهذا الأمر لم يكن عارضاً، بل كان أمراً مستمراً، لم تقف حراسة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن عصمه الله عز وجل من الناس، وذلك لما نزل قول ربنا سبحانه وتعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة:67].


لما نزلت هذه الآية أخرج صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة وقال: (يا أيها الناس! انصرفوا عني فقد عصمني الله عز وجل) وأوقف صلى الله عليه وسلم الحراسة بذلك، وهذه خاصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلابد لعموم القيادات الإسلامية أن تحمي نفسها من أعدائها.


كما أن هذا التهديد لم يكن خاصاً بالرسول صلى الله عليه وسلم فقط، بل كان لكل المؤمنين في المدينة المنورة، وخاصة القيادات الإسلامية، ونحن لا ننسى أن قريشاً رصدت مائة من الإبل لمن يأتي بـ أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه حياً أو ميتاً.

يقول أبي بن كعب رضي الله عنه: (لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه) فاغتيال الزعامات الإسلامية هدف لأعداء الأمة، لكن هذا التهديد لم يجد مع المسلمين.


قطع قريش للعلاقات الدبلوماسية مع المدينة المنورة


لم ينجح تهديد قريش ولا وعيدها، فقامت بقطع العلاقات الدبلوماسية مع المدينة المنورة، وهددت بمنع أهل المدينة من زيارة البيت الحرام، مع أن البيت الحرام ليس ملكاً لقريش، وأعراف الجزيرة العربية وقوانينها بل وقوانين قريش نفسها تقضي بأن الذي يريد البيت الحرام لا بد أن يعطى الأمان، بل ويكرم ويخدم ويرعى، وكانت قريش تفتخر على غيرها من القبائل بأنها تسقي الحجيج وتعمر المسجد الحرام، ومع كل هذا تنكرت لكل ذلك، وقررت أن تنسى قوانينها أو تتناساها، وتتعربد في الأرض كما يحلو لها.


روى البخاري رحمه الله قصة ذكر فيها: أن سعد بن معاذ رضي الله عنه سيد الأوس انطلق إلى مكة معتمراً، فنزل على أمية بن خلف -كان صاحبه في الجاهلية- فقال لـ أمية: انظر لي ساعة خلوة لعلي أطوف بالبيت، فخرج به أمية بن خلف وذهب سعد ليطوف، فلما طاف سعد بن معاذ بالبيت الحرام قابله أبو جهل، فقال أبو جهل يخاطب أمية بن خلف ويتجاهل تماماً سعد بن معاذ مع أنه يعرفه: يا أبا صفوان! من هذا معك؟ فقال: هذا سعد.


وكان أبو جهل يعرف سعداً؛ لأن أمية بن خلف يقول: هذا سعد. دون تعريف كامل، فلم يقل له: هذا سعد بن معاذ سيد الأوس.

فقال أبو جهل مخاطباً سعداً: ألا أراك تطوف بمكة آمناً، وقد آويتم الصباة، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم؟ أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالماً.


فهذا تهديد خطير، وكأن أبا جهل قد فقد صوابه وحنكته، وفقد كل حكمته في التعامل مع قبيلة قوية كقبيلة الأوس أو الخزرج، فقال سعد بن معاذ رافعاً صوته كما في رواية البخاري، يرد عليه بقوة: أما والله لئن منعتني هذا -أي: لئن منعتني من الطواف بالبيت الحرام- لأمنعك مما هو أشد عليك منه، طريقك على أهل المدينة.


فهذا موقف جليل من الصحابي الجليل سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه يحتاج منا إلى وقفة، فالتذلل والخضوع والخنوع لزعماء الكفر وقادة الضلال وجبابرة الأرض لا يزيدهم إلا كبراً وغطرسة وظلماً وجوراً، أما الوقوف هذه الوقفة الجادة الحاسمة فلا شك أنه يزلزل كيانهم ويهز أعصابهم، ونحن نلاحظ أن سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه كان واقعياً جداً في تهديده، يعني: لم يهدده بقتل أو بغزو مكة أو بالقدوم إلى مكة للعمرة رغماً عن أنفه، ولكن هدده بما يملك.


هنا سعد بن معاذ لم يفقد مصداقية كلامه، بل كان كلامه في غاية التأثير، فهو رضي الله عنه وأرضاه يعرف مواطن القوة عنده وما بيده ويعرف ما يضعف عدوه ويعرف مصالح مكة، فهذا موقف رجولي يليق بمؤمن.


قد يقول قائل: لماذا رد سعد بن معاذ رضي الله عنه بغلظة هكذا على أبي جهل؟ بينما رد الرسول صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بلطف ولين على عبد الله بن أبي ابن سلول المشرك الخزرجي، مع أنه أيضاً أساء له القول قبل ذلك؟


الجواب

لاختلاف الظرف واختلاف المكان واختلاف الشخص المشرك الذي تم الحوار معه، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يتحاور مع عبد الله بن أبي ابن سلول زعيم المشركين في يثرب وقبيلته الخزرج، والخزرج لم تقف سداً منيعاً أمام الإسلام كما فعلت قريش، بل على العكس، فإن عدداً كبيراً جداً من الأنصار هم من قبيلة الخزرج، كما أن المشركين من قبيلة الخزرج بما فيهم عبد الله بن أبي بن سلول لم يسمعوا عن الإسلام إلا منذ فترة وجيزة، ولم يختلطوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين اختلاطاً كافياً؛ فلذلك الرسول عليه الصلاة والسلام يؤمل كثيراً في إسلامهم، ويعتقد أنهم بطبيعتهم الرقيقة المشهورة عن أهل المدينة سيميلون إلى الإسلام عاجلاً أو آجلاً؛ لذلك هو لا يريد تصعيد الموقف مع قبيلة الخزرج، بل يريد امتلاك القلوب وإقناع العقول، وهذا كله يتطلب رفقاً في التعامل وليناً في الكلام.


أما موقف سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه مختلف تماماً، فهو موقف مع واحد من أكابر مجرمي قريش، بل مع أعتى عتاتها وأفجر فجارها، موقف مع فرعون هذه الأمة، وبث الرعب في قلبه أمر مطلوب، وإشعاره بالقلق والاضطراب واجب شرعي، وإثارة خوفه على ماله وسلطانه عمل إستراتيجي للمسلمين.


وتاريخ أبي جهل يشير إلى أنه لن يؤمن، خاصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليه قبل ذلك وقال: (اللهم عليك بـ أبي جهل)؛ لذلك فإن سعد بن معاذ لا يؤمل في إسلام أبي جهل لا من قريب ولا من بعيد، فكان قراره حاسماً في ذلك، وهو الوقوف بصلابة في وجه أبي جهل لتسجيل نقطة لصالح المسلمين. وهذه الوقفة لن تخيف أبا جهل على ماله فقط، بل تخيفه أيضاً من الأنصار رضي الله عنهم، فإنه سيعلم أن الأنصار الذين وعدوا بحماية الرسول صلى الله عليه وسلم وافون بوعدهم، وحريصون على عهودهم ومواثيقهم، وجاهزون تماماً للتضحية بعلاقاتهم وأموالهم، بل وأرواحهم في سبيل الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.


فلا شك أن رد سعد بن معاذ أثر في نفسية جبار قريش أبي جهل ، ومن هنا كان الاختلاف بين الموقفين: موقف الرسول صلى الله عليه وسلم مع عبد الله بن أبي ابن سلول ، وموقف سعد بن معاذ مع أبي جهل ، وكلاهما صحيح، وكلاهما حكيم، لكن اعرف الظرف تدرك الحكمة، وانظر في خلفيات وملابسات الحدث تخرج بدروس وعظات لا تقدر بثمن.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق