المشركون وكيفية تعامل النبي صلى الله عليه وسلم معهم
هذه مجموعة ثانية خطيرة تعامل معها رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً في فترة بناء الدولة الإسلامية في أولها؛ واستمر التعامل مع هذه الطائفة إلى قبيل موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه هي مجموعة المشركين، ومثل ما قلنا من قبل: إن المشركين كانوا من طوائف شتى.
المشركون من أهل المدينة وكيفية تعامل
النبي صلى الله عليه وسلم معهم
الأولى: المشركون من أهل المدينة من الأوس والخزرج، فهؤلاء كانوا في غاية الأهمية بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإستراتيجية العمل مع المشركين في داخل الدولة في الحالة السلمية هي إيصال الدعوة، والجوار بالتي هي أحسن، وتجنب الصدام قدر المستطاع، بل التعاون في القضايا المشتركة.
تعالوا لنرى موقف المشركين في المدينة من الرسول صلى الله عليه وسلم ما هي طبيعته؟ وكيف تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع كل واحد منهم؟ بعض المشركين لما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة قرروا الخروج منها، منهم أبو عامر الفاسق الذي كان معروفاً بـ أبي عامر الراهب.
هذا الرجل عندما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة قرر أن يخرج منها، ودار بينه وبين الرسول عليه الصلاة والسلام حوار أوضح فيه ما في داخله، وقرر الخروج من المدينة، هذا الرجل كان اسمه: أبو عامر عبد عمرو بن صيفي الأوسي، وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة الذي استشهد في أحد.
هذا الرجل كان يدعي أنه راهب، وأنه على دين الحنيفية، ولبس المسوح وادعى العلم أيام الجاهلية، فلما هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة، جاء إليه أبو عامر الراهب، وبدأ يحاوره، قال أبو عامر: ما هذا الدين الذي جئت به؟ قال صلى الله عليه وسلم: (جئت بالحنيفية دين إبراهيم، قال الراهب: فأنا عليها، فقال صلى الله عليه وسلم: إنك لست عليها) أي: هناك تحريف كبير في الديانة التي أنت عليها الآن.
قال أبو عامر الراهب: بلى عليها، إنك أدخلت يا محمد! في الحنيفية ما ليس منها، فقال صلى الله عليه وسلم: ما فعلت، ولكني جئت بها بيضاء نقية، قال أبو عامر الراهب: الكاذب أماته الله طريداً غريباً وحيداً)، يعرض برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبتهمه بالكذب، وأن الله عز وجل سيميته طريداً غريباً وحيداً، فقال صلى الله عليه وسلم: (أجل . فمن كذب فعل الله تعالى به ذلك).
فكان أبو عامر الراهب كذلك؛ فإنه لما دار هذا الحوار بينهما وجد التفاعل من الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتعامل معه كزعيم للمدينة المنورة، فبعد أن رأى ذلك لم يستطع أن يجلس في المدينة المنورة، وخرج منها وعاش في مكة المكرمة، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم: بـ أبي عامر الفاسق بدلاً من أبي عامر الراهب.
عاش أبو عامر الفاسق في مكة المكرمة ثمان سنوات كاملة، إلى أن جاء الفتح الإسلامي لمكة المكرمة في سنة ثمان من الهجرة، فهرب من مكة واتجه إلى الطائف، ثم بعدها بقليل أسلم أهل الطائف سنة تسع من الهجرة، فهرب من الطائف وعاش في الشام، وهناك مات طريداً غريباً وحيداً، فهو وأمثاله من الناس الذين خرجوا من المدينة المنورة وعددهم بضعة عشر رجلاً، تركوا المدينة المنورة وهجروها إلى غيرها من البلدان، واستراح منهم العباد، لكن المجموعة الكبرى من مشركي الأوس والخزرج بقيت على شركها تعيش في داخل المدينة المنورة، وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن أبي ابن سلول الذي أصبح بعد ذلك زعيم المنافقين، هذا الرجل كان زعيم الخزرج، وكانت له مكانة كبيرة في المدينة المنورة عند أوسها وخزرجها سواء، وهو الوحيد الذي اجتمع عليه الأوس والخزرج لكي ينصبوه ملكاً على المدينة، وذلك قبل قدوم الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانوا ينسجون له الخرز ليتوجوه كملك على المدينة المنورة، وهو أول اجتماع للمدينة المنورة على رجل واحد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفجأة تغيرت الأحداث، وظهر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وآمن به ستة من الخزرج من قبيلته، ثم اثنا عشر رجلاً في بيعة العقبة الأولى، ثم ثلاثة وسبعون رجلاً في بيعة العقبة الثانية، كل هذا لم يعلم به عبد الله بن أبي ابن سلول.
مع أنه كان رئيس وفد المدينة للحج في العام الذي بايع فيه الأنصار بيعة العقبة الثانية عام (13) من البعثة النبوية، وكان وقتها مشركاً؛ وكان وفد المدينة يضم داخله (300) شخص من يثرب، منهم (75) مسلماً و (225) مشركاً، ولأنه كان زعيم الوفد كان يظن أنه يعرف كل شيء عن الوفد، ولما شك أهل قريش في إسلام بعض رجال الوفد ولقائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم نفى ذلك بشدة، وقال: لو حدث هذا لاستشارني قومي.
وفي ربيع أول من العام (14) من البعثة، أي: بعد ثلاثة شهور أو يزيد قليلاً، هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، وصار رئيساً وزعيماً على المدينة المنورة، وهكذا استلم الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان سيستلمه عبد الله بن أبي ابن سلول، فتحرك الحقد في قلبه على الرسول عليه الصلاة والسلام على أشد ما يكون.
تخيل موقف عبد الله بن أبي ابن سلول، فقد كان سيتوج ملكاً على المدينة لأول مرة في تاريخ المدينة ، ومعلوم أنه زعيم في قومه، ورئيس وشريف وغني وذو سلطان، وفجأة سحبت منه الإمارة، وأعطيت لرجل ليس من الأوس والخزرج أصلاً، وهذا في عرف العرب مستحيل، مستحيل أن رجلاً من قبيلة أخرى يرأس قبيلة ثانية، ويجتمع عليه الناس، هذا أمر غريب عند العرب، فـعبد الله بن أبي ابن سلول رفض هذا الأمر رفضاً كلياً، ولكي يقبله لابد أن يصير مؤمناً صادق الإيمان حقيقة، ولابد أن يصير أنصارياً، لكن من عنده ضعف إيمان أو ليس عنده إيمان أصلاً لن يقبل بهذه الفكرة أبداً، فوجد أن معظم الذين حوله يؤيدون الرسول عليه الصلاة والسلام، بل حتى المشركين الذين لم يدخلوا في دين الرسول صلى الله عليه وسلم وقف معظمهم على الحياد، فلم يجد أحداً ينصره على الرسول صلى الله عليه وسلم، فوقف حائراً كيف يتصرف؟! وكان في حالة من الحقد والضغينة على الرسول عليه الصلاة والسلام.
فماذا عمل؟ ظل يراقب الأوضاع، ورفض الدخول في الإسلام، وظل على شركه وعايش المسلمين داخل المدينة المنورة، وفي نفس الوقت أخذ يبحث عن فرص يؤذي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخرجه من المدينة، فأخذ يتعاون مع المشركين ضد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقدم إستراتجيته الدعوة السلمية قدر المستطاع مع مشركي يثرب، فقد كان هناك أمل كبير في أن يدخلوا الإسلام، ويصبحوا أنصاراً للدعوة الإسلامية، فكان يقدم الحسنى قدر استطاعته، ويدعو الناس بالتي هي أحسن، من ذلك ما رواه البخاري : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار وأردف أسامة بن زيد رضي الله عنهما وراءه، وذهب ليعود سعد بن عبادة رضي الله عنه وأرضاه ".
كان سعد بن عبادة من سادات الخزرج، وزاره النبي صلى الله عليه وسلم في أول أيام المدينة المنورة، قبل بدر وقبل إسلام عبد الله بن أبي ابن سلول ، فمر صلى الله عليه وسلم على مجلس به أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، فالدعوة بالتي هي أحسن تقتضي أن المسلمين يخالطون غيرهم، ولكن لا يتأثرون بشركهم ولا بآثامهم ولا بمعاصيهم.
روى البغوي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم "، قال ابن المبارك رحمه الله في تفسير العزلة: أن تكون مع القوم، فإذا خاضوا في ذكر الله فخض معهم، وإن خاضوا في غير ذلك فاسكت.
إذاً: المجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود، والرسول عليه الصلاة والسلام مر على هذا المجلس، ومن المسلمين الذين في هذا المجلس: عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه وهو من الخزرج، ومنهم أيضاً عبد الله بن أبي ابن سلول سيد الخزرج، فلما مر حمار رسول الله صلى الله عليه وسلم على القوم غبر على الناس، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول رافعاً صوته على رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تغبروا علينا.
وقال شيئاً فيه نوع من الحدة، مما يدل على أنه غاضب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظهر الحقد في هذه الكلمات، فقال: لا تغبروا علينا.
لكن الرسول عليه الصلاة والسلام تجاهل هذه الكلمة ولم يعلق عليها، بل نزل من على حماره صلى الله عليه وسلم، وسلم عليهم، ثم وقف ودعاهم إلى الله عز وجل، وقرأ عليهم القرآن، فما كان يترك رجلاً ولا قبيلة ولا مجموعة من الناس إلا وعرفهم بدعوته صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول وهو يغلي من الغضب: أيها المرء! إنه لا أحسن مما تقول: إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجالسنا، وارجع إلى رحلك -أي: كن في بيتك- فمن جاءك فاقصص عليه. فوقف عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: بلى يا رسول الله! فاغشنا به في مجالسنا.
قال: عكس كلام عبد الله بن أبي ابن سلول تماماً، مع أن عبد الله بن رواحة شاب صغير، وعبد الله بن أبي عظيم القوم، لكن لابد له هنا أن يدافع عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا من حمية الشباب المسلم، قال: فاغشنا به في مجالسنا؛ فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون، وأخذ كل فريق يناصر صاحبه، فمجموعة المسلمين كانت مع عبد الله بن رواحة ، ومجموعة المشركين كانت مع عبد الله بن أبي ابن سلول ، واللطيف في الرواية قوله: فاستب المسلمون والمشركون، ولم يذكر اليهود، فماذا فعلوا؟ كانت فرصة أمام اليهود لإثارة الفتنة، فأثاروا مشكلة بين المسلمين والمشركين، حتى كادوا يتثاورون بالسيوف.
فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا، وذهب صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة رضي الله عنه وأرضاه أحد زعماء الخزرج، وقال له : " أرأيت الذي فعل أبو حباب ؟ -يريد عبد الله بن أبي ابن سلول - قال: كذا وكذا وكذا، فقال سعد بن عبادة : يا رسول الله! ..." وانظر إلى مدى إيضاح الرؤية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان سعد بن عبادة رجلاً من أهل المدينة، وقد عاش التجربة التي عاشها عبد الله بن أبي ابن سلول ، رآه وهو يتوج كملك ثم تسحب منه الإمارة-
فقال : " يا رسول الله! اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اجتمع أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة -يعني: يجعلوه ملكاً على القوم-، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق بذلك، فذلك الذي فعل به ما رأيت)" أي: أنك يا رسول الله! ما زلت في المرحلة الأولى من مراحل الدعوة في المدينة المنورة، ولم يستمع إلى كلمات كثيرة من القرآن الكريم، ولم يحي حياة كاملة معك، فاعذره هذه الفترة، واعف عنه واصفح، لعل الله عز وجل يفتح قلبه بعد ذلك للإسلام، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الشاهد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحاول قدر المستطاع أن يوصل الدعوة بالتي هي أحسن إلى مشركي الأوس والخزرج، وكان يحاول تجنب الصراع قدر ما يستطيع. لم يكن معظم المشركين في يثرب على شاكلة عبد الله بن أبي ابن سلول ، وإنما وقفوا على الحياد، وهؤلاء مارس معهم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم الدعوة الإسلامية بالتي هي أحسن، ووصلوا بها إلى قلوبهم، كما حدث مع عمرو بن الجموح ، ومع غيره من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
إذاً: هذا كان موقف الرسول عليه الصلاة والسلام من مشركي المدينة المنورة.
الأولى: المشركون من أهل المدينة من الأوس والخزرج، فهؤلاء كانوا في غاية الأهمية بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإستراتيجية العمل مع المشركين في داخل الدولة في الحالة السلمية هي إيصال الدعوة، والجوار بالتي هي أحسن، وتجنب الصدام قدر المستطاع، بل التعاون في القضايا المشتركة.
تعالوا لنرى موقف المشركين في المدينة من الرسول صلى الله عليه وسلم ما هي طبيعته؟ وكيف تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع كل واحد منهم؟ بعض المشركين لما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة قرروا الخروج منها، منهم أبو عامر الفاسق الذي كان معروفاً بـ أبي عامر الراهب.
هذا الرجل عندما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة قرر أن يخرج منها، ودار بينه وبين الرسول عليه الصلاة والسلام حوار أوضح فيه ما في داخله، وقرر الخروج من المدينة، هذا الرجل كان اسمه: أبو عامر عبد عمرو بن صيفي الأوسي، وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة الذي استشهد في أحد.
هذا الرجل كان يدعي أنه راهب، وأنه على دين الحنيفية، ولبس المسوح وادعى العلم أيام الجاهلية، فلما هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة، جاء إليه أبو عامر الراهب، وبدأ يحاوره، قال أبو عامر: ما هذا الدين الذي جئت به؟ قال صلى الله عليه وسلم: (جئت بالحنيفية دين إبراهيم، قال الراهب: فأنا عليها، فقال صلى الله عليه وسلم: إنك لست عليها) أي: هناك تحريف كبير في الديانة التي أنت عليها الآن.
قال أبو عامر الراهب: بلى عليها، إنك أدخلت يا محمد! في الحنيفية ما ليس منها، فقال صلى الله عليه وسلم: ما فعلت، ولكني جئت بها بيضاء نقية، قال أبو عامر الراهب: الكاذب أماته الله طريداً غريباً وحيداً)، يعرض برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبتهمه بالكذب، وأن الله عز وجل سيميته طريداً غريباً وحيداً، فقال صلى الله عليه وسلم: (أجل . فمن كذب فعل الله تعالى به ذلك).
فكان أبو عامر الراهب كذلك؛ فإنه لما دار هذا الحوار بينهما وجد التفاعل من الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتعامل معه كزعيم للمدينة المنورة، فبعد أن رأى ذلك لم يستطع أن يجلس في المدينة المنورة، وخرج منها وعاش في مكة المكرمة، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم: بـ أبي عامر الفاسق بدلاً من أبي عامر الراهب.
عاش أبو عامر الفاسق في مكة المكرمة ثمان سنوات كاملة، إلى أن جاء الفتح الإسلامي لمكة المكرمة في سنة ثمان من الهجرة، فهرب من مكة واتجه إلى الطائف، ثم بعدها بقليل أسلم أهل الطائف سنة تسع من الهجرة، فهرب من الطائف وعاش في الشام، وهناك مات طريداً غريباً وحيداً، فهو وأمثاله من الناس الذين خرجوا من المدينة المنورة وعددهم بضعة عشر رجلاً، تركوا المدينة المنورة وهجروها إلى غيرها من البلدان، واستراح منهم العباد، لكن المجموعة الكبرى من مشركي الأوس والخزرج بقيت على شركها تعيش في داخل المدينة المنورة، وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن أبي ابن سلول الذي أصبح بعد ذلك زعيم المنافقين، هذا الرجل كان زعيم الخزرج، وكانت له مكانة كبيرة في المدينة المنورة عند أوسها وخزرجها سواء، وهو الوحيد الذي اجتمع عليه الأوس والخزرج لكي ينصبوه ملكاً على المدينة، وذلك قبل قدوم الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانوا ينسجون له الخرز ليتوجوه كملك على المدينة المنورة، وهو أول اجتماع للمدينة المنورة على رجل واحد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفجأة تغيرت الأحداث، وظهر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وآمن به ستة من الخزرج من قبيلته، ثم اثنا عشر رجلاً في بيعة العقبة الأولى، ثم ثلاثة وسبعون رجلاً في بيعة العقبة الثانية، كل هذا لم يعلم به عبد الله بن أبي ابن سلول.
مع أنه كان رئيس وفد المدينة للحج في العام الذي بايع فيه الأنصار بيعة العقبة الثانية عام (13) من البعثة النبوية، وكان وقتها مشركاً؛ وكان وفد المدينة يضم داخله (300) شخص من يثرب، منهم (75) مسلماً و (225) مشركاً، ولأنه كان زعيم الوفد كان يظن أنه يعرف كل شيء عن الوفد، ولما شك أهل قريش في إسلام بعض رجال الوفد ولقائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم نفى ذلك بشدة، وقال: لو حدث هذا لاستشارني قومي.
وفي ربيع أول من العام (14) من البعثة، أي: بعد ثلاثة شهور أو يزيد قليلاً، هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، وصار رئيساً وزعيماً على المدينة المنورة، وهكذا استلم الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان سيستلمه عبد الله بن أبي ابن سلول، فتحرك الحقد في قلبه على الرسول عليه الصلاة والسلام على أشد ما يكون.
تخيل موقف عبد الله بن أبي ابن سلول، فقد كان سيتوج ملكاً على المدينة لأول مرة في تاريخ المدينة ، ومعلوم أنه زعيم في قومه، ورئيس وشريف وغني وذو سلطان، وفجأة سحبت منه الإمارة، وأعطيت لرجل ليس من الأوس والخزرج أصلاً، وهذا في عرف العرب مستحيل، مستحيل أن رجلاً من قبيلة أخرى يرأس قبيلة ثانية، ويجتمع عليه الناس، هذا أمر غريب عند العرب، فـعبد الله بن أبي ابن سلول رفض هذا الأمر رفضاً كلياً، ولكي يقبله لابد أن يصير مؤمناً صادق الإيمان حقيقة، ولابد أن يصير أنصارياً، لكن من عنده ضعف إيمان أو ليس عنده إيمان أصلاً لن يقبل بهذه الفكرة أبداً، فوجد أن معظم الذين حوله يؤيدون الرسول عليه الصلاة والسلام، بل حتى المشركين الذين لم يدخلوا في دين الرسول صلى الله عليه وسلم وقف معظمهم على الحياد، فلم يجد أحداً ينصره على الرسول صلى الله عليه وسلم، فوقف حائراً كيف يتصرف؟! وكان في حالة من الحقد والضغينة على الرسول عليه الصلاة والسلام.
فماذا عمل؟ ظل يراقب الأوضاع، ورفض الدخول في الإسلام، وظل على شركه وعايش المسلمين داخل المدينة المنورة، وفي نفس الوقت أخذ يبحث عن فرص يؤذي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخرجه من المدينة، فأخذ يتعاون مع المشركين ضد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقدم إستراتجيته الدعوة السلمية قدر المستطاع مع مشركي يثرب، فقد كان هناك أمل كبير في أن يدخلوا الإسلام، ويصبحوا أنصاراً للدعوة الإسلامية، فكان يقدم الحسنى قدر استطاعته، ويدعو الناس بالتي هي أحسن، من ذلك ما رواه البخاري : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار وأردف أسامة بن زيد رضي الله عنهما وراءه، وذهب ليعود سعد بن عبادة رضي الله عنه وأرضاه ".
كان سعد بن عبادة من سادات الخزرج، وزاره النبي صلى الله عليه وسلم في أول أيام المدينة المنورة، قبل بدر وقبل إسلام عبد الله بن أبي ابن سلول ، فمر صلى الله عليه وسلم على مجلس به أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، فالدعوة بالتي هي أحسن تقتضي أن المسلمين يخالطون غيرهم، ولكن لا يتأثرون بشركهم ولا بآثامهم ولا بمعاصيهم.
روى البغوي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم "، قال ابن المبارك رحمه الله في تفسير العزلة: أن تكون مع القوم، فإذا خاضوا في ذكر الله فخض معهم، وإن خاضوا في غير ذلك فاسكت.
إذاً: المجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود، والرسول عليه الصلاة والسلام مر على هذا المجلس، ومن المسلمين الذين في هذا المجلس: عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه وهو من الخزرج، ومنهم أيضاً عبد الله بن أبي ابن سلول سيد الخزرج، فلما مر حمار رسول الله صلى الله عليه وسلم على القوم غبر على الناس، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول رافعاً صوته على رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تغبروا علينا.
وقال شيئاً فيه نوع من الحدة، مما يدل على أنه غاضب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظهر الحقد في هذه الكلمات، فقال: لا تغبروا علينا.
لكن الرسول عليه الصلاة والسلام تجاهل هذه الكلمة ولم يعلق عليها، بل نزل من على حماره صلى الله عليه وسلم، وسلم عليهم، ثم وقف ودعاهم إلى الله عز وجل، وقرأ عليهم القرآن، فما كان يترك رجلاً ولا قبيلة ولا مجموعة من الناس إلا وعرفهم بدعوته صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول وهو يغلي من الغضب: أيها المرء! إنه لا أحسن مما تقول: إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجالسنا، وارجع إلى رحلك -أي: كن في بيتك- فمن جاءك فاقصص عليه. فوقف عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: بلى يا رسول الله! فاغشنا به في مجالسنا.
قال: عكس كلام عبد الله بن أبي ابن سلول تماماً، مع أن عبد الله بن رواحة شاب صغير، وعبد الله بن أبي عظيم القوم، لكن لابد له هنا أن يدافع عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا من حمية الشباب المسلم، قال: فاغشنا به في مجالسنا؛ فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون، وأخذ كل فريق يناصر صاحبه، فمجموعة المسلمين كانت مع عبد الله بن رواحة ، ومجموعة المشركين كانت مع عبد الله بن أبي ابن سلول ، واللطيف في الرواية قوله: فاستب المسلمون والمشركون، ولم يذكر اليهود، فماذا فعلوا؟ كانت فرصة أمام اليهود لإثارة الفتنة، فأثاروا مشكلة بين المسلمين والمشركين، حتى كادوا يتثاورون بالسيوف.
فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا، وذهب صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة رضي الله عنه وأرضاه أحد زعماء الخزرج، وقال له : " أرأيت الذي فعل أبو حباب ؟ -يريد عبد الله بن أبي ابن سلول - قال: كذا وكذا وكذا، فقال سعد بن عبادة : يا رسول الله! ..." وانظر إلى مدى إيضاح الرؤية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان سعد بن عبادة رجلاً من أهل المدينة، وقد عاش التجربة التي عاشها عبد الله بن أبي ابن سلول ، رآه وهو يتوج كملك ثم تسحب منه الإمارة-
فقال : " يا رسول الله! اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اجتمع أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة -يعني: يجعلوه ملكاً على القوم-، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق بذلك، فذلك الذي فعل به ما رأيت)" أي: أنك يا رسول الله! ما زلت في المرحلة الأولى من مراحل الدعوة في المدينة المنورة، ولم يستمع إلى كلمات كثيرة من القرآن الكريم، ولم يحي حياة كاملة معك، فاعذره هذه الفترة، واعف عنه واصفح، لعل الله عز وجل يفتح قلبه بعد ذلك للإسلام، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الشاهد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحاول قدر المستطاع أن يوصل الدعوة بالتي هي أحسن إلى مشركي الأوس والخزرج، وكان يحاول تجنب الصراع قدر ما يستطيع. لم يكن معظم المشركين في يثرب على شاكلة عبد الله بن أبي ابن سلول ، وإنما وقفوا على الحياد، وهؤلاء مارس معهم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم الدعوة الإسلامية بالتي هي أحسن، ووصلوا بها إلى قلوبهم، كما حدث مع عمرو بن الجموح ، ومع غيره من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
إذاً: هذا كان موقف الرسول عليه الصلاة والسلام من مشركي المدينة المنورة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق