الجمعة، 14 فبراير 2014

سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 16- مجتمع المدينة-3


التهيئة النفسية للمهاجرين والأنصار


أول شيء عمله الرسول عليه الصلاة والسلام بوحي من رب العالمين سبحانه وتعالى: أنه هيأ الأنصار والمهاجرين لقبول فكرة ترك الديار في مكة، والانتقال إلى المدينة المنورة، وهذا شيء صعب، لكن بفضل الله كانت قوة إيمان المهاجرين والأنصار كفيلة بأن تطبق هذا المعنى كما أراده رب العالمين سبحانه وتعالى.
فهذا كان أول محور احتوى به الرسول عليه الصلاة والسلام أزمة انتقال المهاجرين من مكة إلى المدينة.


المحور الثاني في غاية الأهمية: الكفالة السريعة للمهاجرين، فلابد لهذه الأعداد الضخمة التي دخلت المدينة المنورة أن تؤوى بصورة مناسبة، وأول شيء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لإيواء المهاجرين كان أمراً عجيباً غير متكرر في التاريخ، فهو عليه الصلاة والسلام أول من بدأ هذا الأمر، ولا نسمع عنه إلا في أمة الإسلام، هذا الأمر هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، والفكرة كانت عجيبة، جمع الرسول صلى الله عليه وسلم المهاجرين والأنصار في بيت أحد الأنصار، وبدأ يؤاخي بين كل مهاجري وأنصاري، وجعل الأخوة في كل شيء حتى وصل الأمر إلى الميراث، يعني: لو مات مهاجري يرثه الأنصاري والعكس كذلك، لكن هذا الحكم نسخ بعد ذلك، وأصبحت الأخوة في كل شيء إلا الميراث.



الكفالة السريعة للمهاجرين عن طريق المؤاخاة


كانت هذه المؤاخاة مؤاخاة حقيقية، وكان لهذا الأمر تطبيقات عملية كثيرة في حياتهم، ومن أشهر القصص في ذلك ما حدث بين سعد بن الربيع أحد كبار الأنصار رضي الله عنه، ومن شهداء أحد كما سنبين إن شاء الله في الدروس القادمة، وبين المهاجري عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه، والذي كان تاجراً في مكة، لكنه ترك كل شيء، وأتى المدينة المنورة بلا شيء.

روى البخاري رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه: أن سعد بن الربيع رضي الله عنه قال لـ عبد الرحمن بن عوف: إني أكثر الأنصار مالاً فسأقسم مالي نصفين.



كان سعد بن الربيع رجلاً غنياً عنده أموال كثيرة، ولو أعطى عبد الرحمن بن عوف (5%) أو (10%) من ماله فهذا كثير، ومع ذلك من تجرده وحبه لأخيه وشعوره الكامل بأن هذه أخوة في الله، قال: سأقسم مالي نصفين.
ولكي تتأكد من صعوبة هذا الأمر تخيل نفسك أنك تفعل هذا الأمر، تخيل أحد إخوانك في أزمة، فأتيت برصيدك الذي في البنك إذ كنت غنياً، وقمت بتقسيم هذا المال بينك وبينه، هذا أمر شاق وصعب، لكن الأمر الثاني أصعب وأصعب، فقد قال سعد بن الربيع: ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها.


سبحان الله! هذا أمر عجيب وغريب، لكن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه كان نبيل النفس، قال له: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ يريد أن يعمل، ويخرج رزقه من تعبه وكده، خاصة أنه أحد التجار المشهورين في الإسلام، فدلوه على سوق بني قينقاع، وتاجر حتى كثر ماله.


الشاهد في القصة أن المؤاخاة كانت حقيقية، ولم تكن هذه المؤاخاة فقط للإيواء المالي والاقتصادي والسكني للمهاجرين رضي الله عنهم وأرضاهم، ولكن كانت مؤاخاة في كل شيء، وكان الأخ يطمئن على أخيه في أمور الآخرة، كما كان يطمئن عليه في أمور الدنيا،

وقصة سلمان الفارسي رضي الله عنه مشهورة، وذلك عندما آخى الرسول عليه الصلاة والسلام بينه وبين أبي الدرداء رضي الله عنه وأرضاه وأبو الدرداء من الأنصار؛ وسلمان الفارسي ليس من العرب أصلاً، بل هو من الفرس رضي الله عنه وأرضاه، فانظر إلى عمق العلاقة التي كانت بين الاثنين، مع أن كل واحد منهما من أصل بعيد تماماً عن الثاني.

ثبت في صحيح البخاري: أن سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه زار أبا الدرداء في بيته، فرأى أم الدرداء متبذلة: وفي رواية: رثة الهيئة، فقال لها سلمان وكان ذلك قبل فرض الحجاب على المسلمات-: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، وفي رواية: ليس له حاجة في نساء الدنيا.
فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً، فقال له سلمان: كل، فقال أبو الدرداء: إني صائم، قال سلمان: ما أنا بآكل حتى تأكل.
قال: فأكل.

إذاً: وجد سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه مشكلة عند أخيه أبي الدرداء، وجده منصرفاً تماماً إلى العبادة والصيام والقيام وترك أهل بيته، وهذه مشكلة عائلية حقيقية في داخل بيته، ففرغ سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه وقته لإصلاح مشكلة أخيه، وبدأ يضبط عنده بعض المفاهيم التي كانت ستربك له حياته وأسرته، فجلس معه وأقسم عليه أن يفطر ويقطع هذا الصيام، فقد كان الصيام نفلاً، فقطع أبو الدرداء الصيام، وأكل مع سلمان الفارسي، فلما كان الليل -أي: أول الليل- أراد أبو الدرداء أن يقوم الليل كله، فقال له سلمان: نم، فنام، ثم ذهب ليقوم فقال -أي: سلمان - نم، فلما كان آخر الليل قام سلمان وقال له: قم الآن، فصليا من آخر الليل، وأراد سلمان أن يعطي له خلاصة درس تربوي فرغ نفسه لهذا الدرس أربعاً وعشرين ساعة، قال: إن لربك عليك حقاً ولنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً، وفي رواية الترمذي: ولضيفك عليك حقاً.
فأعط كل ذي حق حقه.

لم يقتنع أبو الدرداء رضي الله عنه وأرضاه تمام الاقتناع، فذهب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يشكو سلمان إليه أنه جعله يفطر وجعله يقوم من آخر الليل فقط، فقال صلى الله عليه وسلم: صدق سلمان، يعني: ما قاله سلمان هو التوازن الذي يجب أن يكون عليه المسلم في حياته، وهو الحق والعدل.

الشاهد في ذلك أن سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه وهو فارسي كان أخاً لـ أبي الدرداء وهو عربي أنصاري، وكان سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه يدخل بيت أبي الدرداء ، ويخاطب زوجته في حدود الإسلام، ويحل المشاكل التي بينها وبين أبي الدرداء رضي الله عنه وأرضاه، كما أن أبا الدرداء رضي الله عنه وأرضاه لم يتكلف شيئاً، ولكن أتى بطعام من طعام البيت، وأكل معه سلمان ، ونام معه في نفس البيت، كما أن أبا الدرداء رضي الله عنه وأرضاه لان في يد أخيه سلمان ، مع أنه غير مقتنع بما يقول، لأنه ضيفه في بيته وأخوه في الإسلام.


فكل هذه الأمور تثبت أن الأخوة التي كانت بين الاثنين كانت أخوة حقيقية، ليست مجرد كلام مكتوب على الورق، وأتمنى أن نجرب هذه الأمور ونطبق هذه المؤاخاة فيما بيننا، أتمنى أن نعيش حياة الأخوة الحقيقية كما كان يعيشها الصحابة الذين بنيت على أكتافهم الأمة الإسلامية، فوالله بغير هذه الأخوة لا تقوم أمة أبداً. إذاً: أول أمر فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في قضية احتواء أزمة المهاجرين: أن عظم من أجر المهاجرين وصنع تهيئة نفسية لهم، وفي نفس الوقت صنع تهيئة نفسية للأنصاري؛ لكي يتقبلوا أمر الهجرة وأمر النصرة. الأمر الثاني: حقق الكفالة السريعة للمهاجرين، بحيث يكفل كل أنصاري مهاجرياً فتحل الأزمة بسرعة.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق