الاثنين، 8 أبريل 2013

سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 14- الهجرة إلى المدينة-1


الدرس الرابع عشر الهجرة إلى المدينة



مع ما بذله الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق من تدبير الهجرة والتواري عن قريش، إلا أن العجز البشري يبقى له مكان في تلك الخطة، ليأتي التدبير الإلهي ليثبت نصرة الدين ورفعة حامليه، فالأخذ بالأسباب المادية مطلوب، ولكن لا بد من أن يعتمد على مسبب الأسباب سبحانه وتعالى.




مخاوف قريش من هجرة المسلمين
من مكة إلى المدينة ومخاطر ذلك عليهم



بدأت هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة المنورة بعد شهر من البيعة، وتكلمنا عن صعوبة الهجرة وتضحياتها، وعن كفاح الصحابة سواء من الرجال أو النساء، فقد كانت معاناة كبيرة وضخمة، لكنها تمت على خير، ووصل المهاجرون إلى البلد العظيم المدينة المنورة.


لم يبق في مكة إلا ثلاثة فقط: الرسول صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه وعائلته، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذلك بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن كل واحد منهم له دور مهم في المرحلة القادمة كما سنرى إن شاء الله.


كانت قريش في أزمة كبيرة، ما من يوم يصبحون فيه إلا ويجدون واحداً من المسلمين قد اختفى، أو عائلة مسلمة اختفت، وبعض الأحيان كانوا يجدون فرعاً كاملاً من قبيلة ليس موجوداً، بحيث إن الهجرة كانت تتم بصورة سرية تماماً، إلا هجرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.


عرف المشركون أن الهجرة كانت إلى المدينة المنورة، ليس فقط من الشك الذي كان في وفد يثرب الذي جاء إلى مكة قبل ذلك في موسم الحج سنة (13) من البعثة، لكن من أخبار مؤكدة أتت إلى قريش من المدينة المنورة عن طريق أعوان وحلفاء لهم تؤكد هجرة المسلمين إلى المدينة،


ويؤكد على هذا ما حصل من أبي جهل وأخيه الحارث لأخيهما من الأم عياش بن أبي ربيعة رضي الله عنه وأرضاه، كان مسلماً وهاجر إلى المدينة المنورة مثل بقية المهاجرين المسلمين، وعلم أبو جهل بهجرته، فلحقه أبو جهل وابتكر حيلة من أجل أن يعيد عياشاً إلى مكة، فأقنعه بأن أمه مريضة، وأنها تريد أن تراه قبل أن تموت، وفعلاً أخذت عياش الرقة لأمه، وعاد مع الحارث وأبي جهل، وبينما هو في الطريق قيداه بالحبال وأخذاه إلى مكة وهو مقيد، وقالا لأهل مكة: هكذا فافعلوا بسفهائكم، وحبس في مكة لفترة طويلة.

الشاهد من القصة: أن أبا جهل كان يعرف إلى أين يهاجر المسلمون، وأنهم كانوا يذهبون إلى المدينة المنورة.

سبب هذا الأمر قلقاً لقريش؛ لأنها كانت على فقه كامل بخطورة الموقف عليهم لو انتشر الإسلام، من هذه المخاطر:

أولاً: أن الذين هاجروا من مكة ليسوا أغراباً عن أهل مكة، بل إن كل واحد من زعماء قريش كان له أخ مهاجر أو ابن أو ابنة، وكل واحد منهم بداخله غيظ كبير على الدين الجديد الذي عرضهم لهذه المشكلة، وكل واحد منهم بداخله كذلك حب فطري لأولاده وأقاربه، ويرى أنهم قد بعدوا عنه، فهذه كانت مشكلة كبيرة، وكان من الصعب أن يقبل بها أهل مكة.

ثانياً: أن دعوة الإسلام لو انتشرت في الجزيرة العربية، فمن الممكن أن تفقد قريش الكثير من مكانتها في الجزيرة، فقد كانت تكسب كثيراً من تجارة الحج إلى مكة، ومن تجارة بيع الأصنام، نعم، دين الإسلام يشجع الحج إلى مكة، لكن تجارة الأصنام وتجارة الخمور والزنا والربا ستقف، مصالح كثيرة جداً ستقف لأهل مكة، وكلها سوف تتعطل لو انتشرت دعوة الإسلام في الجزيرة العربية.


ثالثاً: كان المشركون يفهمون جيداً أن المسلمين ما هاجروا إلى المدينة من أجل قضاء فترة راحة أو استجمام، بل هاجروا لإقامة دولة إسلامية، ولو أقاموا هذه الدولة فلابد أن يعودوا إلى مكة مرة أخرى في يوم من الأيام، وعندما يعودوا إليها، لن يعودوا من أجل السكن فيها، لا، بل سيعودون من أجل أن يحكموا مكة، هكذا يقول المنطق، مكث الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة (13) سنة، يفهمهم قضية أن الحكم لله، فمؤكد أن المسلمين لن يرضوا أن يبقى أهل مكة على تحكيمهم لهبل أو أنصار هبل في حياتهم، لابد أن يحكموا الإله الذي يعبدونه ألا وهو الله عز وجل، وبالتالي يحكمون مكة، وكان هذا مرعباً لزعماء قريش.


رابعاً: أن هذه الهجرة لم تكن إلى أي مكان، لا، بل إلى المدينة المنورة (يثرب)، وكان لها وضع خاص، ففي اعتقادي أن هذا المكان أكثر مكان لا يحب المشركون أن تكون الهجرة إليه، وذلك لعدة نقاط:


الأولى: أن سكان يثرب هم الأوس والخزرج، وهم من أعز القبائل العربية، ومن أقواها في الحرب، وأشدها ممارسة لفنون القتال المختلفة، ولعل السبب في عدم ظهورهم في الجزيرة العربية، وأن تكون لهم كلمة مسموعة وكبيرة فيها هو الصراع الداخلي بين الأوس والخزرج، فلو حصل اتحاد بين هاتين القبيلتين الكبيرتين فسوف تكون مشكلة حقيقية على بقية القبائل.

الثانية: أن الأوس والخزرج من أصول قحطانية، بينما قريش من أصول عدنانية، وتعرفون كيف كانت أثر القبلية في أيام الجاهلية، فإذا كانت قريش بفروعها لها خلافات كبيرة، مثل ما رأينا خلاف بني هاشم مع بني مخزوم، ومرجعهما إلى قريش، فما بالكم بين قحطاني وعدناني.


الثالثة: أن المدينة المنورة حصينة، وتعتبر حصانتها حصانة جغرافية طبيعية، فلو فكرت قريش في يوم من الأيام أن تغزو المدينة فسوف تتخذ قراراً صعباً.


الرابعة: أن المدينة تقع على طريق القوافل التجارية المتجهة من وإلى الشام، فتستطيع المدينة المنورة أن تخنق مكة اقتصادياً، يظهر هذا جلياً عندما نعلم أن مكة كانت تتاجر بربع مليون دينار ذهب سنوياً مع الشام، تجارة مهولة، فتخيل في هذا الزمان ما مقدارها! وهذه كانت رحلة موسم الشتاء.


الخامسة: أهل مكة يعلمون أن اليهود يسكنون في المدينة المنورة، وهم أهل سلاح ومال واقتصاد وأعداد غفيرة، وقبائل متعددة، فماذا لو آمن اليهود وانضموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه بالنسبة إلى قريش مصيبة كبيرة،


والحقيقة: أن العقل كان يرجح إسلام اليهود؛ لأنهم أهل كتاب، ويؤمنون بالأنبياء، وكانوا يعلمون أن نبياً سوف يظهر في ذلك الزمن، وكانت تعرف قريش هذا الكلام عن اليهود، فكان يخيفها هذا الاعتقاد جداً، لولا أن اليهود لم يكن عندهم عقل، وهذا هو السبب الذي جعلهم لا يدخلون هذا الدين.





سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 13- بيعة العقبة الثانية-10


وجه هجرة عمر علناً
بينما كانت هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم سراً



كان كل الصحابة تقريباً يهاجرون في السر، من دون أن يشعر بهم أحد، حتى هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت سرية، إلا هجرة واحد من الصحابة فقط كانت علناً أمام كل الناس، تلك هي هجرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وقف عمر رضي الله عنه وأرضاه في المسجد الحرام وقال بصوت مرتفع: يا معشر قريش! من أراد أن تثكله أمه، أو ييتم ولده، أو ترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي، كان يقول هذا الكلام وهو متقلد سيفه، ويده الثانية فيها بضعة أسهم.

فلم يقم له أحد، وهاجر رضي الله عنه وأرضاه أمام الناس أجمعين، كانت رهبة كبيرة لـ عمر عند عموم الناس! ممكن أن يسأل سائل: لماذا هاجر عمر رضي الله عنه علناً والرسول صلى الله عليه وسلم يهاجر سراً؟ الواقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشرع، وعموم المسلمين سيقلدونه، سواء في زمن مكة، أو في الأزمان التي ستأتي بعد ذلك، وعموم المسلمين لا يطيقون ما فعله عمر رضي الله عنه وأرضاه، وليس مطلوباً منهم ذلك، لكن المطلوب هو الحذر والاحتياط، والأخذ بالأسباب الكاملة لتأمين عملية الهجرة، والهجرة في حد ذاتها لم تكن هدفاً، إنما كان الهدف الوصول إلى المدينة لإقامة الدولة هناك، ويجب الأخذ بكل الأسباب لتجنب كل المعوقات لإقامة هذه الدولة.

لكن على الناحية الثانية أيضاً: موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه كان سليماً، لم تكن هناك مخالفة شرعية، بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعترض على هذا الكلام، ولو وجدت مخالفة شرعية لاعترض عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وعدل المسار للمسلمين، لكن هذا لم يحصل، فهجرة عمر بهذه الصورة صنعت رهبة كبيرة في قلوب الكافرين، أوقفت تفكيرهم تماماً، وهذا كان فيه فوائد كثيرة:

منها: أنه هاجر معه (20) شخصاً من ضعفاء الصحابة! لم يستطع أحد من المشركين أن يقترب منهم، ولو أنهم خرجوا بمفردهم كان من الممكن أن يقتلوا، لكن لما أذل الله المشركين بهذه الصورة سهلت هجرة هؤلاء الضعفاء، وصدق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه إذ يقول: إن إسلام عمر كان فتحاً، وارجعوا بذاكرتكم إلى قصة إسلام سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه.

يقول عبد الله بن مسعود: إن إسلام عمر كان فتحاً، وإن هجرته كانت نصراً، وإن إمارته كانت رحمة.. وصدق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ورضي الله عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين.

كان في هجرة الصحابة خطورة كبيرة على معظم المهاجرين، لكنها كانت خطوة لابد منها على خطورتها لبناء الأمة الإسلامية؛ وبهذا هاجر معظم المسلمين في مكة، وكل هذا تم في شهرين اثنين فقط، محرم وصفر من السنة الرابعة عشرة من البعثة، يعني: بعد حوالي شهر واحد فقط أو أقل من بيعة العقبة الثانية، ولم يبق في مكة إلا ثلاثة فقط: الرسول صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه مع عائلته، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، وكان بقاؤهما بأمر من الرسول صلى الله عليه وسلم.

يا ترى كيف ستكون هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وما هو رد فعل المشركين؟ وما هي تفاصيل الخطة البارعة التي سيضعها الرسول صلى الله عليه وسلم وصديقه الصديق رضي الله عنه وأرضاه؟ سنتكلم عن كل هذا في الدرس الآتي بمشيئة الله تعالى.
{فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر:44].
وجزاكم الله خيراً كثيراً.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.




سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 13- بيعة العقبة الثانية-9


الهجرة إلى المدينة


أصبح الوضع مستقراً إلى حد كبير في المدينة المنورة، وأصبحت الصعوبة في مكة، زعماء قريش الآن يعلمون بتدبير إسلامي خفي لشيء هم لا يعلمونه، هنا صدر الأمر الإلهي للرسول صلى الله عليه وسلم ومن ثم للمؤمنين في مكة بأن يهاجروا إلى المدينة، كل من يستطيع أن يهاجر فليهاجر، بل يجب أن يهاجر، الضعفاء والأقوياء، الفقراء والأغنياء، الرجال والنساء، الأحرار والعبيد، كل المسلمين لابد أن يهاجروا إلى المدينة المنورة؛ لأن هناك مشروعاً ضخماً محتاجاً إلى كل طاقة، هناك مشروع اسمه: بناء الأمة الإسلامية.


وبدأت الهجرة، والهجرة لم تكن شيئاً سهلاً، لم تكن عقد عمل أهدي لهم في بلد غني، كانت الهجرة تعني ترك الديار، والأموال، والأعمال، والذكريات.
كانت الهجرة الاستعداد لحرب ضد كل المشركين في جزيرة العرب، بل في كل الأرض، كانت استعداداً لحرب الأحمر والأسود من الناس، هذه هي الهجرة، ولم تكن هروباً، بل استعداداً لتكاليف أشق، ولواجبات أكثر وأعظم.


أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الناس بالهجرة، وانتظر هو فلم يهاجر، لم يكن همه صلى الله عليه وسلم أن ينجو بنفسه ويؤمن حاله، أو يحافظ على أمواله، كان كل همه أنه يطمئن على حال المسلمين المهاجرين، ليعلمنا أن القيادة ليست نوعاً من الترف أو الرفاهية، بل مسئولية وتضحية وأمانة.


أصدر الرسول صلى الله عليه وسلم أوامره لكل المسلمين في مكة بالهجرة، وليس في مكة فحسب، بل أي مسلم موجود على الأرض كان لابد أن يهاجر إلى المدينة المنورة، إلا من استثناه الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمره بأن يمكث في مكانه، لسبب من الأسباب.


كان هذا هو الوضع في هذه الهجرة إلى المدينة المنورة، وهو مختلف عن هجرة الحبشة، فليس كل المسلمين هاجروا إلى الحبشة، كما أن طبيعة المكان وظروف المكان تختلف من الحبشة إلى المدينة، كان المهاجرون إلى الحبشة يريدون فقط الحفاظ على أنفسهم؛ لئلا يستأصل الإسلام إذا تعرض المسلمون في مكة للإبادة، لم يكن الغرض هو إقامة حكومة إسلامية في الحبشة أبداً، بل كان المسلمون مجرد لاجئين عند ملك عادل، أما الهجرة إلى المدينة فكان الغرض منها إقامة دولة إسلامية تكون المدينة هي المركز الرئيسي لها.


كانت المدينة صالحة لإقامة أمة إسلامية بخلاف الحبشة فإنها لا تصلح، لأن في الحبشة معوقات كثيرة جداً لبناء الأمة الإسلامية، مثل: اختلاف اللغة والتقاليد، وعدم استقرار الوضع، ولأن الاعتماد في الحبشة كان على رجل واحد فقط وهو النجاشي رحمه الله، فهو ملك لا يظلم عنده أحد، وإذا مات هذا الرجل أو خلع، فإن المسلمين سيصبحون في خطر عظيم، لكن في المدينة الوضع غير هذا، الهجرة لم تكن تعتمد على رجل معين، بل على أنصار المدينة، والجو العام في المدينة أصبح محباً للإسلام، أو على الأقل كان قابلاً للفكرة، ومن ثم كانت الهجرة إلى هناك هجرة جماعية لكل المسلمين.


بدأت الهجرة العظيمة، ووقعت تضحيات مهولة مع إصرار وعزيمة، لكن كانت هناك أشياء كثيرة تخفف من آلام الهجرة، وهو إحساس المسلمين أنهم قاب قوسين أو أدنى من بناء الأمة، وقبل ذلك شعورهم بالمعية مع الله عز وجل، وشعورهم أن قائدهم معهم، وسيهاجر ويضحي ويتعب مثلهم، واستقبال الأنصار لكل من هاجر بحفاوة بالغة، وكأنهم إخوانهم من قديم.


هذه الأشياء كلها كانت تخفف كثيراً من آلام الهجرة، ومع ذلك كانت الهجرة صعبة.
قصص الهجرة كثيرة وعظيمة، وحقيقة أن المقام لا يتسع لتفصيلاتها، ويكفي أن كل واحد من المهاجرين قد ترك وراءه شيئاً عزيزاً عليه.


فمثلاً: أبو سلمة رضي الله عنه وأرضاه، هاجر وترك زوجته وابنه في قصة مشهورة مؤلمة، لكن كان أبو سلمة يفهم واجبه، وكذلك كانت أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها تفهم دورها، فصبرت سنة كاملة بعيدة عن زوجها، وسنة كاملة بعيدة عن ابنها الذي أخذه زوجها بعد فترة قصيرة عندما هاجر أبو سلمة، ثم بعد سنة كاملة هاجرت إلى زوجها ومعها ابنها الآخر، هاجرت مسافة (500) كيلو متر لوحدها، تضحيات مهولة.

وصهيب الرومي رضي الله عنه وأرضاه ترك وراءه كل ثروته، ترك ما جمعه خلال السنين الطويلة، ترك كل رصيده وهاجر إلى المدينة، ترك وظيفته التي كان مستقراً فيها وهاجر وغيره وغيره وغيره، كل قصص الهجرة فيها تضحيات ضخمة.


وفوق أن الصحابة تركوا كل شيء وراءهم، إلا أنه كانت هناك خطورة حقيقية على حياتهم؛ فالكفار لم يكن عندهم أي مانع من قتل أي شخص إذا أمسكوا به، وعلموا أنه مسلم يريد أن يهاجر، بل أرادوا قتل الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه، فما بالكم بأي شخص ضعيف أو حليف، أو أي شخص من قريش؟!



سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 13- بيعة العقبة الثانية-8


موقف قريش من بيعة العقبة الثانية بعد علمهم بها


لم تمر بيعة العقبة الثانية دون تنغيص، فقد كان أتعس مخلوق عرف هذه البيعة هو الشيطان، يقول سيدنا كعب بن مالك: (لما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأبعد صوت سمعته قط.
-وهم علموا أنه الشيطان بإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم لهم- قال: يا أهل الجباجب، -يعني: المنازل، ينادي أهل مكة- هل لكم في مذمم -يقصد سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم- والصباة معه؛ قد أجمعوا على حربكم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أزب العقبة -أي: شيطان العقبة- اسمع أي عدو الله، أما والله لأفرغن لك)، وبعد ذلك شعر الرسول صلى الله عليه وسلم أن المشركين سيحضرون فقال للأنصار: (ارفعوا إلى رحالكم).


كان على الأنصار أن يركضوا مسرعين إلى رحالهم؛ لأنهم عرفوا أن قريشاً قد تأتي في أي لحظة، لكن لم يحصل هذا، وإنما قام العباس بن عبادة رضي الله عنه وأرضاه، الذي قام قبل قليل يقول للأنصار: أنتم تبايعون على حرب الأحمر والأسود من الناس، قام وقال: (والذي بعثك بالحق! لئن شئت لنميلن على أهل منى غداً بأسيافنا).


وانتبهوا: أن القتال في منى لم يكن من الأمور التي بايع عليها الأنصار، فهم كانوا قد بايعوا على أن يدافعوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، وليس في منى ولا في مكة، لكن العباس بن عبادة يعطي ما هو فوق البيعة، فهو يبحث عن الجنة.


فكان رد الرسول صلى الله عليه وسلم عليه في منتهى الوضوح، قال: (لم أؤمر بذلك)، أي: لم أؤمر بالقتال بعد، نعم بايع الأنصار على الجهاد، لكن ليس الآن وقت التطبيق، وهذا من فقه الموازنات؛ لو تقاتل الأنصار الآن مع المشركين فلاشك أن الأنصار سيبادون عن آخرهم، نعم سقطوا شهداء، ولكن أين الدولة؟ أين الدعوة؟ أين التخطيط لنصر وتمكين وسيادة هذا الدين؟ أين بناء الأمة الإسلامية؟ فعلاً كان لابد للمسلمين أن يتجنبوا القتال تماماً في هذا الوقت؛ من أجل ذلك رجع الأنصار إلى خيامهم، وناموا مع الوفد المشرك الذين أتوا معه، ولم يشعر بهم أحد حتى من وفدهم.

في اليوم الثاني علمت قريش بموضوع اللقاء، من الذي أعلمهم؟ الله أعلم، إما الشيطان الذي صرخ بالليل، وإما أن شخصاً رآهم، فذهبت قريش لمقابلة زعيم يثرب عبد الله بن أبي ابن سلول، وبدأت تتكلم معه في خطاب يجمع بين الترغيب والترهيب، قالوا: يا معشر الخزرج -يكلمون عبد الله بن أبي ابن سلول - إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه -والله- ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم،


يعني: نحن نحبكم، لكن لو استمريتم على هذا الأمر سنحاربكم، وأنت تعرفون جيداً من هي قريش؟ فلما سمع عبد الله بن أبي ابن سلول هذه الكلمات قام يقول بمنتهى الحمية: هذا باطل، وما كان هذا، وما كان قومي ليفتاتوا على مثل هذا، ولو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني.

نعم هو صادق من داخله؛ لأنه لم يعلم أي شيء عن هذا اللقاء؛ لأن المسلمين تكتموا بكل شيء عن موضوع اللقاء أو الإسلام، ولم يكن يعلم المشركون منهم من المسلمين في داخل وفدهم، هذا كان رد عبد الله بن أبي ابن سلول، أما رد المسلمين الذي بداخل الوفد، الذين قاموا بالبيعة، فنظر بعضهم إلى بعض ولم يتكلموا، وكأن شيئاً لم يكن.


اقتنعت قريش بكلام الوفد اليثربي، وتركوه وعادوا مرة أخرى إلى مكة، لكن بعدما عادوا إلى مكة علموا أن ظنهم كان في محله، فرجعوا مرة أخرى بسرعة من أجل أن يمسكوا بوفد يثرب فوجدوه قد رحل؛ لأنهم تقابلوا للبيعة في آخر ليلة من ليالي الحج، تحسباً لهذه الظروف التي حصلت، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان قد عمل حسابه لها.

ارتحل الوفد، لكن من بعيد رأى زعماء مكة اثنين من المسلمين؛ رأوا سعد بن عبادة رضي الله عنه وأرضاه، والمنذر بن عمرو رضي الله عنه وأرضاه، وهذان الاثنان هم من النقباء، أما المنذر بن عمرو فاستطاع الهروب، لكنهم أمسكوا بـ سعد بن عبادة سيد الخزرج، رجل عزيز لم يهن في حياته قط، لكن زعماء مكة أمسكوا به وضربوه وجروه على الأرض.


موقف في منتهى الخطورة، نظر المسلمون في مكة إلى أخيهم المؤمن وهو يضرب، ولا يستطيعون حراكاً؛ لأنهم لو تحركوا من أجل إنقاذه سيعلم مشركو مكة أن هناك بيعة تمت، وأن هناك لقاء تم، حتى الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه لم يتحرك من أجل نصرة سعد بن عبادة وهذا أيضاً من فقه الموازنات.

كان جبير بن مطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية ممن رأى الموقف، وسعد بن عبادة رضي الله عنه كان يجير لهم القوافل عندما تمر بالمدينة المنورة، فأجاروه من قريش، وعاد سعد بن عبادة إلى قافلة الأنصار، ووصلوا إلى المدينة في أمان، وبدأ الأنصار في المدينة يمهدون لاستقبال الرسول صلى الله عليه وسلم والمهاجرين من مكة، بدءوا جميعاً يستعدون لوضع النواة الأولى للعاصمة الأولى في الإسلام: المدينة المنورة. هذه كانت بيعة العقبة الثانية بكل الشروط التي فيها، وبكل الملابسات، وهناك دروس أخرى كثيرة لكن المقام لا يتسع لها .




الأحد، 7 أبريل 2013

سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 13- بيعة العقبة الثانية-7


مناقب أصحاب بيعة العقبة الثانية


قبل أن نترك الأنصار نذكر بعض الإحصائيات اللطيفة على أسماء الأنصار المشاركين في هذه البيعة، وكلها إحصائيات في الحقيقة لها معنى.
عندما بحثت في أسماء الصحابة الذين حضروا هذه البيعة من الأنصار وجدت قرابة السبعين من هؤلاء -يعني: تقريباً كلهم- اشترك في غزوة بدر الكبرى، يعني: لم تكن البيعة كلام وحسب على الجهاد، لا، فكلهم نفذوا، (70) تقريباً من هؤلاء حضروا غزوة بدر الكبرى.



ثم حوالي نصف هذا العدد اشترك مع الرسول صلى الله عليه وسلم في كل المشاهد والغزوات؛ لأن كثيراً منهم استشهد في الغزوات الأولى.
أيضاً حوالي ثلث أصحاب بيعة العقبة الثانية مات شهيداً في سبيل الله عز وجل، يعني خمسة من اثني عشر.
يعني: القيادة في نظرهم كانت مسئولية لم تكن أبداً تشريفاً أو منصباً.



أيضاً لم يؤثر عن أي واحد من هؤلاء الأنصار المبايعين في بيعة العقبة الثانية الفرار أبداً، لا في أُحد ولا في حنين ولا غيرهما، لم يؤثر عن أي واحد من هؤلاء طلب للدنيا ولا للإمارة ولا للمال.
خلاصة القول أن الصدق الكامل في قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي قلوب الأنصار المبايعين في هذه البيعة هو الذي كفل النجاح لهذه البيعة الفريدة، {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ} [الأحزاب:24].
صدقوا الله عز وجل فصدقهم الله عز وجل.




الخميس، 4 أبريل 2013

سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 13- بيعة العقبة الثانية-6


حرية اختيار الأنصار لنقبائهم 
في بيعة العقبة الثانية



هناك بعض الأمور الإدارية في تنظيم العلاقة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين الأنصار.
أولاً: سيتعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع مَن مِن الأنصار؟ لابد من وجود من يمثل الأنصار.
ثانياً: كيف يكون التعامل بين المهاجرين والأنصار، لو حصلت مشكلة من الأنصار لمن المرجع؟ ولو حصلت مشكلة من المهاجرين لمن المرجع؟ أمور إدارية هامة رأى الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لابد أن يكون هناك من يمثل الأنصار، فجعل لكل خمسة من الأنصار نقيباً، فيكون كل ستة مجموعة، ولما كان الأنصار (73) خرج منهم (12) نقيباً.


أيضاً كان من الممكن أن الرسول صلى الله عليه وسلم ينتقيهم بنفسه، أو أن يأخذ أصحاب بيعة العقبة الأولى؛ لأنهم كانوا اثني عشر، أو أن يكل ذلك إلى مصعب بن عمير، أو إلى البراء بن معرور رئيس الوفد، أو أسعد بن زرارة لأنه أحد السابقين، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر قاعدة عظيمة من قواعد الحكم في الإسلام، وهي قاعدة أن على الشعب أن ينتخب ممثليه انتخاباً حقيقياً، ليس فيه تدخل من القائد الأعلى، قال الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار: (أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيباً، ليكونوا على قومكم بما فيهم).


حرية كاملة للأنصار في اختيار ممثليهم، هم أدرى بحالهم، وعندما يختار الشعب حكومته بحرية حقيقية ليس فيها أي تدخل من أي جهة، يسمع لها بعد ذلك بمنتهى الحب، ويطيعها بمنتهى الأمانة، يحس فعلاً أنها حكومته وليست مفروضة عليه، هذا ما كان يريد أن يزرعه الرسول صلى الله عليه وسلم بداخل الأنصار، وداخل الأمة الإسلامية بكاملها إلى يوم القيامة.


جلس الأوس والخزرج سوية لأول مرة في تاريخهم لاختيار نقبائهم، وكانوا قبل ذلك يتقاتلون ويتصارعون، ويذبح كل واحد الثاني من أجل كرسي الحكم، لكنه الإيمان، فعندما آمنوا تغير كل شيء، كل واحد يضع يده الآن على كتف الآخر.


إن الذي جمع الأوس والخزرج هو نبل الغاية، وسمو الهدف، عندما كان الكرسي هو الهدف، كان الخلاف والنزاع الذي لا نهاية له، ولما أصبحت الجنة هي الهدف وهي الغاية لم يعد للكرسي قيمة، بل أصبح مسئولية وتكليفاً لم يعد تشريفاً، انقلب التنافس على الكرسي إلى التنافس على الجنة: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين:26]، هذه هي عظمة الإسلام.


في لحظات كان النقباء هم: أسعد بن زرارة، البراء بن معرور، عبد الله بن عمرو بن حرام، سعد بن عبادة، عبادة بن الصامت، سعد بن الربيع، عبد الله بن رواحة، رافع بن مالك، المنذر بن عمرو رضي الله عنهم أجمعين، كان هؤلاء تسعة هم نقباء الخزرج.

أما نقباء الأوس فكانوا ثلاثة: أسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة، وأبو الهيثم بن التيهان وقيل بدلاً منه: رفاعة بن عبد المنذر رضي الله عنهم أجمعين.

ويختفي من أسماء الأوس البطل الإسلامي العظيم سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه؛ لأنه لم يحضر أصلاً من المدينة المنورة إلى مكة.

بعد هذا عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتماعاً مع هؤلاء النقباء قال لهم فيه: (أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم) يعني: أنتم مسئولون عن كل الأنصار، (وأنا كفيل على قومي -يعني: المسلمين من أهل مكة- فقالوا: نعم).

إذاً: الآن قسم المسئوليات، الاثنا عشر هؤلاء مسئولون عن الأنصار، والرسول صلى الله عليه وسلم مسئول عن المهاجرين، وبعد ذلك طلب منهم أن يختاروا واحداً منهم يكون رئيساً لهم، وبالتالي يسهل عملية الاتصال والمتابعة والإدارة وغير ذلك من الأمور، فاختاروا أسعد بن زرارة رضي الله عنه وأرضاه أصغر النقباء رضي الله عنه، لما يظهر عليه من موهبة فذة.
وبهذا انتهت مراسم البيعة الفريدة بنجاح في عقر دار المشركين، ووسط الأعداد الهائلة من أعداء الله عز وجل، وصدق الله عز وجل إذ يقول: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج:38].



الأربعاء، 3 أبريل 2013

سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 13- بيعة العقبة الثانية-5


موقف الأنصار من بنود بيعة العقبة الثانية


عادة في المفاوضات يناقش كل بند على حدة، فهذا البند نوافق عليه، وهذا البند مرفوض، وهذا فيه تعديل، هذا الكلام يحصل عادة في أي مفاوضات سياسية، لكن نحن قلنا قبل ذلك: إن الأنصار شيء آخر، الأنصار هم أنصار، فماذا قالوا؟ قام البراء بن معرور رضي الله عنه يتكلم عن وفد الأنصار، وقد كان رئيس الوفد المسلم، مع العلم أن البراء بن معرور رضي الله عنه وأرضاه لم يسلم إلا منذ ثلاثة أيام، أسلم وهو في طريقه من المدينة المنورة إلى مكة، لكنه كعادة الأنصار ولد إيمانه عملاقاً.

قال البراء بن معرور رضي الله عنه: (والذي بعثك بالحق نبياً لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا -يعني: نساءنا- فبايعنا يا رسول الله! -وانتبه فهو الذي يرجو الرسول صلى الله عليه وسلم- فنحن والله أبناء الحرب، وأبناء الحلقة، ورثناها كابراً عن كابر) يعني: يشجعه على البيعة، أترون إلى مدى اشتياق الأنصار للبيعة على الجهاد؟ هذا هو الجيل الذي سينصره الله عز وجل، لكن وأثناء كلام البراء اعترض كلامه أبو الهيثم بن التيهان رضي الله عنه وأرضاه، أحد الصحابة الأجلاء القدماء الذين أسلموا في بيعة العقبة الأولى، قال: (يا رسول الله! إن بيننا وبين الرجال حبالاً، وإنا قاطعوها -أي: بيننا وبين اليهود عهوداً- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟).

الحقيقة أن موقف الأنصار خطير، فهم عقدوا معاهدات مع اليهود، وسيقطعونها، لكن ما الذي سيحصل لو أن دين الرسول صلى الله عليه وسلم انتشر ووضعه استقر هل سيرجع مرة أخرى إلى مكة؟ وإذا رجع إلى مكة كيف سيكون وضعهم مع اليهود؟

قد يقول قائل: إن هذا الاعتراض فيه تطاول على الرسول صلى الله عليه وسلم، يعني: كيف تفترض أنه ممكن أن يتركك وأنت محتاج له؟ لكن حقيقة كلام أبي الهيثم كان بمثابة التحميس والدفع للأنصار بالمبايعة، فهو متأكد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لن يتركهم، لكنه يخاف أن أحد الأنصار المشاركين في البيعة يفكر هذا التفكير؛ فيكون خائفاً من اليهود على مستقبل المدينة، فلو أن أبا الهيثم رضي الله عنه أثار هذه النقطة في هذه اللحظات سيغلق كل أبواب الشيطان، وسيريح الأنصار، من أجل ذلك تكلم بمثل هذا.

تبسم الرسول صلى الله عليه وسلم ثم قال: (بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم!) إن قدر القيادة لا ينقص لو أن أحداً من الجنود اعترض على نقطة ما يريد التوضيح، والقيادة الواثقة من نفسها لا يجب أن تغضب لهذا، بل على العكس، القيادة الواعية لا تخيف الناس أو تكتم أفواههم، بل المفروض أن تشجع كل الناس أن يقولوا كل ما في صدورهم، وحينها سيشعر الناس أن قيادتهم ليست مفروضة عليهم، مثل ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (أنا منكم وأنتم مني).


ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً يعلمنا أن أي إنسان قابل للمناقشة وللحساب وللاستجواب؛ لأنه في النهاية بشر، والبشر لابد أن يخطئوا، وليس شرطاً أن يكون مخطئاً كذلك، لكن نريد معرفة وجهة نظره، نستفسر، نتعلم، نضيف، نحذف، نعدل من أجل أن نصل إلى الأفضل، هذه هي العلاقة السليمة بين القائد والجند، وكذلك إذا أحس الجند أن القائد معهم في نفس المشكلة يشكو مما يشكون منه، يتألم مما يتألمون منه سيبذلون قصارى جهدهم، لكن على النقيض من هذا؛ لو أنهم أحسوا بتكبر القائد، وبسعادته وقت حزنهم، وترفهه وقت بؤسهم، وأمنه وقت خوفهم، وراحته وقت تعبهم، لو شعروا بهذه الأشياء كلها فمن المستحيل أن يعملوا بحماسة وجدية، لأنهم فقدوا مصداقية القائد، والقدوة فيه.


أما الرسول صلى الله عليه وسلم فقد قال في منتهى الصدق والتعاطف مع أبي الهيثم والأنصار: (بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم)، فتشجع الأنصار عندما سمعوا هذه الكلمات، وقاموا مسرعين إلى مبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم،


لكن حصلت معارضة أخرى بعد هذا الكلام، قام العباس بن عبادة رضي الله عنه وأرضاه يخاطب قومه قبل أن يبايعوا، وقال لهم: (هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، فقال العباس بن عبادة: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس -يعني: كل الناس-، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلاً أسلمتموه فمن الآن، فهو والله إن فعلتم -يعني: لو أسلمتموه- خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف، فخذوه فهو -والله- خير الدنيا والآخرة).

العباس بن عبادة أيضاً من السابقين، ويعرف جيداً علامَ يبايع، لكنه يخاف أن يكون أحد الأنصار غير مستوعب لهذه التضحيات كلها، فيحاول أنه يوضح الرؤية على قدر استطاعته للأنصار، فرد عليه الأنصار وقالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف.

إذاً: لابد من المبايعة له صلى الله عليه وسلم، فقاموا يبايعون، لكن قبل أن يبايعوا سألوا: ما الثمن لمصيبة الأموال وقتل الأشراف؟ ما الثمن للطاعة المطلقة في النشاط والكسل؟ ما الثمن للنفقة في العسر واليسر، وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وللجهاد والنصرة، وحرب الأحمر والأسود من الناس؟


قالوا: ( فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: لكم الجنة ) ! الثمن لكل هذه التضحيات الجنة، ليس هناك وعد بشيء آخر، لا وعد بدولة ولا بتمكين ولا بنصر، مع أنه لابد أن يحصل كل هذا في يوم من الأيام، لكنك قد تموت شهيداً قبل التمكين بسنوات، قد تموت طريداً شريداً معذباً، قد يحدث كل ذلك، لكن المهم أنك ذاهب إلى الجنة، هذا هو المهم .


لما سمع الأنصار هذه الكلمة من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن عندهم غير كلمة واحدة قالوها بعد ذلك، قالوا: (ابسط يدك يا رسول الله -يريدون مبايعته- فمد الرسول صلى الله عليه وسلم يديه للأنصار من أجل أن يبايعوه)، لكن قبل أن يضع أي أنصاري يديه في يد الرسول صلى الله عليه وسلم قام الصحابي الجليل أسعد بن زرارة رضي الله عنه وأرضاه وأمسك يد الرسول صلى الله عليه وسلم -اعتراض ثالث- وقال يكلم الأنصار: (رويداً يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم)


أي: نحن نعلم جيداً أنه رسول، ونعلم أن هناك جنة، ولكن الكلام سهل، كل الناس يريدون الجنة، لكن لابد أن تعرفوا العمل المطلوب منكم من أجل الدخول إلى الجنة، لابد أن تعملوا أشياء صعبة، قال أسعد بوضوح: (وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإن كنتم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على الله، و أما إن كنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فهو أعذر لكم عند الله)

قام الصحابي الجليل أسعد بن زرارة رضي الله عنه ليؤكد على نفس المعنى من جديد، لكن بألفاظ أخرى، من أراد أن يحيا حياة آمنة؛ يعبد الله عز وجل في بيته، أو في مسجده ولا يسرق، ولا يزني، ولا يقتل، ولكن ليس له علاقة بتمكين دين الله في الأرض، ولا بالجهاد في سبيل الله، ولا بالدعوة إلى الله، ولا بالعمل الدءوب لله، ولا بالتضحية من أجل الله عز وجل، فعليه أن يبايع بيعة النساء، هذه تكفيه، أما من أراد أن يبايع بيعة الرجال، وبيعة الحرب فعليه أن يفقه هذه البيعة فقهاً جيداً، فهذه الاعتراضات كلها من أناس هم من السابقين أصحاب بيعة العقبة الأولى،


أرادوا بها أن يوضحوا للأنصار ولنا الصورة بأكملها، لكن الأنصار كلهم كانوا يفهمون شروط البيعة؛ لذا قالوا في منتهى الوضوح والحماسة: (يا أسعد : أمط عنا يدك، فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها، يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنه: فقمنا إليه رجلاً رجلاً، فأخذ علينا البيعة يعطينا بذلك الجنة)

يعطيهم الجنة بهذه الشروط؛ لأنه يعرف أن بداخلهم صدقاً كبيراً، لذا كان يعطيهم الجنة، وتمت البيعة الخالدة بيعة العقبة الثانية التي غيرت وجه التاريخ، والثمن الجنة .



سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 13- بيعة العقبة الثانية-4


بنود بيعة العقبة الثانية


تهيأت للرسول صلى الله عليه وسلم وهو في هذا الموقف الصعب الحرج، وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت فرصة كبيرة ليذهب إلى بلد كريم، وفي هذا الظرف يعرض على الأنصار شروطاً في منتهى المشقة لقبول استضافته، لم يعرضها على أحد آمن من قبل.

كان من عادة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ييسر على الناس أمر الإيمان، كان يقبل أن يقوم الرجل بالفرائض فقط ولا يؤدي النوافل، وكان يقول: (أفلح إن صدق)، (إن صدق دخل الجنة) وليس هذا فحسب، بل كان يعطي الأموال من أجل أن يتألف قلوب الناس للإيمان.

أما الآن وهو في هذا الموقف الحرج فإنه يشترط شروطاً قاسية؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يبني أمة، وفرق كبير بين بناء فرد صالح يعيش لنفسه ولأسرته، وبين فرد صالح في ذهنه وتفكيره أنه يحمل هم الأمة الإسلامية، ولا يعرف أن ينام وهو يرى حوله المنكر والظلم والكفر، ولو رأى أخاه يُظلم لابد أن ينصره، لو رأى أحداً يمس كرامة الأمة الإسلامية يقوم ويدافع عنها كما يدافع عن ابنه أو زوجته أو أمواله أو حياته، هذا هو الفرد المسلم الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يريد أن يبنيه في هذه البيعة، بيعة العقبة الثانية؛

من أجل ذلك قال لهم ما سيأتي، كما أنه كان يعلم أنه يخاطب أناساً على قدر المسئولية، كان يكلم الأنصار، ذكر لهم خمسة بنود:

الأول: قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل)، السمع في النشاط سهل، لكن في الكسل صعب، وكان من الممكن أن يقول: تبايعوني على السمع والطاعة، لكن الغرض هو توضيح الرؤية تماماً، سواء كنت كَسِلاً أو نَشِطاً لابد أن تسمع كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وتطيع له.
البند الثاني: (وعلى النفقة في العسر واليسر)، كذلك النفقة في اليسر سهلة، لكن في العسر تحتاج إلى أناس معينين.
البند الثالث: (وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وهذا هو دور الأمة الإسلامية مع غيرها من الأمم.
البند الرابع: (وعلى أن تقوموا في الله لا تأخذكم في الله لومة لائم)، الجهاد وكلمة الحق.
البند الخامس: (وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم)، ليس فقط تمنعوني فحسب، بل تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم؛ حبك لرسولك ولدينك ولأمتك لابد أن يكون أكثر من حبك لنفسك ولزوجتك وأولادك.

واضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يبني مسلماً من طراز خاص سيحمل هم الأمة كلها!


الفرق بين بيعة العقبة الأولى والثانية


كان الرسول صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة الأولى يبني فرداً مسلماً مؤمناً يتصف بعقيدة سليمة، وبأخلاق حميدة: لا يسرق لا يزني لا يقتل، لكن أن تبني أمة فأنت تحتاج لما هو أعلى، تحتاج لبذل وعطاء ودماء، تحتاج لمكابدة لصبر لقوة لتحمل لتجرد، بناء الأمم يحتاج إلى أناس من نوع خاص، مثل الذين كان يشترط عليهم الرسول عليه الصلاة والسلام هذه الشروط الصعبة، أما أن يكتفي المؤمن بالاعتقاد الصحيح، وبالصلاة، والصوم واجتناب الكبائر؛ من سرقة وزنا وقتل، فهذا جزء من الإسلام، نعم هو جزء مهم، لكن في النهاية هو جزء من الإسلام.

إن الناس يحتاجون لمن يقودهم إلى الخير، والإسلام يريد الذي يدافع عنه، ما أكثر من يعتدي على حرمات المسلمين، من سيدافع؟ ومن سيحمي؟ من سيجاهد ويكافح؟ من سيبلغ رسالة ربنا لكل الأرض؟ هذا هو الفرق بين البيعة الأولى والبيعة الثانية.

ويكفي أن البيعة الأولى التي اهتمت ببناء الفرد المسلم من دون جهاد أنها عرفت في التاريخ باسم بيعة النساء، بينما عرفت بيعة العقبة الثانية بهذه الشروط الصعبة بأنها بيعة الحرب وبيعة الجهاد.




سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 13- بيعة العقبة الثانية-3


وقائع بيعة العقبة الثانية


بدأ الاجتماع الذي سيغير من خارطة الأرض كلها، كان وقت الاجتماع قصيراً مع أن أحداثه كانت كبيرة.
وهذا الاجتماع سيغير خريطة الأرض، ولابد لكل منا أن يسأل نفسه: أين كان أعداء الله وقت أن تم هذا الاجتماع المهيب؟ أين كان أبو جهل والوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة وغيرهم من قادة قريش؟ أين كان أحبار اليهود: حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وغيرهما؟ أين كان كسرى وقيصر؟

كل هؤلاء كانوا نياماً، كلهم كانوا غافلين، لا أحد كان يعرف بهذا الاجتماع الذي سيتم، مع أن كلهم بعد ذلك عروشهم ستتزلزل نتيجة هذا الاجتماع، هذا -والله- تدبير رب العالمين سبحانه وتعالى، شيء لا يتخيله عقل، مجموعة بهذه القلة وهذا الضعف، في مثل هذا المكان الذي لا يرى على خارطة الأرض، وبعد ذلك سيكون هذا الاجتماع سبباً في تغيير كل شيء على الأرض في غضون سنوات قلائل.

بدأت مراسم المباحثات شديدة الأهمية، كانت كلمة الافتتاح للعباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ما زال مشركاً، وواضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مطمئناً له، وأتى به لأداء دور سياسي معين، ما هو هذا الدور؟ أولاً قد نستغرب من شيء كهذا، لماذا يحضر مشركاً في مباحثات بهذه الخطورة؟ هذا الدور هو لتوضيح مكانة بني هاشم في مكة، ولإعلام الأنصار أنهم سيأخذون الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن له قبيلة كبيرة ذات شرف، فيحرصون على أن يكونوا هم البديل الحقيقي لبني هاشم، وكون العباس مشركاً يعطي بُعداً سياسياً آخر، وهو أن بني هاشم مؤمنهم وكافرهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى العكس من ذلك لو جاء حمزة فقد يقع في أنفسهم أنه أتى لأنه مؤمن لا ليمثل بني هاشم، وسنرى في كلام العباس رضي الله عنه ما يثبت هذه التحليلات.

قال العباس: يا معشر الخزرج! -والعرب كانت تسمي أهل المدينة كلهم خزرجاً، سواء كانوا من الأوس أو الخزرج -إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وإنه أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده..هنا انتهت افتتاحية العباس، وكانت سريعة وموجزة، وقد وضح من خلالها الدور الذي أتى من أجله.

ثم جاء دور الأنصار في الكلام، وكانوا في منتهى الأدب، فقد كانت هناك ردود كثيرة ممكن أن تقال للعباس، ويدخلون معه في جدل عقيم، على سبيل المثال: يمكن أن يقولوا له: تقول: إنه في عز وفي منعة وهو في جوار المطعم بن عدي من بني نوفل، ولم يقف بجواره أحد من بني هاشم؟ أو أن يقولوا: أنت تقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم أبى إلا أن ينحاز إلينا، وما فعل ذلك إلا لأنه أوذي وضرب وظلم ورجم بالحجارة، وسب وألقي التراب على رأسه، وألقيت عليه رحم الجزور، وأنتم تنظرون إليه كغيركم، أين كنتم وهو يطوف بالقبائل يبحث عمن ينصره وعلى مسمع منكم ومرأى، والقبائل كلها ترفضه؟!

بل ليتكم ساكتين فحسب، فإن أبا لهب عمه كان يمشي وراءه ويقول: لا تصدقوه إنه صابئ كذاب، أين كنت أيها العباس الهاشمي العزيز والرسول صلى الله عليه وسلم يعاني كل هذه المعاناة أمامك وأمام كل بني هاشم؟ كل هذا كان من الممكن أن يقال أو أكثر منه، لو كانت هذه المباحثات سياسية بحتة، يريدون أن يحققوا فيها أكبر المصالح، ويستغلوا الظرف الحرج الذي وقع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن الوضع في الأنصار لم يكن هكذا أبداً، لم تكن المباحثات سياسية دنيوية، بل كانت إيمانية بحتة،

فالأنصار جاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليكونوا أنصاره وأتباعه، وطوع إرادته، جاءوا وهم يعلمون أن المنة والفضل لله ولرسوله، وأن العمل والبذل عليهم وعلى المسلمين جميعاً، فكانوا يفهمون دورهم جيداً، من أجل ذلك قالوا في أدب رفيع: قد سمعنا ما قلت -يكلمون العباس رضي الله عنه-، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.




سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 13- بيعة العقبة الثانية-2



المعالم العامة لوفد العقبة الثانية


كان بين وفد الأنصار المكون من (75) وبين الرسول صلى الله عليه وسلم وعد في موسم الحج سنة ثلاث عشرة من البعثة، وهم لا يعرفون بماذا سيكلفهم الرسول صلى الله عليه وسلم؟ أو ماذا يريد منهم؟ كل الذي يعرفونه هو الاتفاق الذي جرى مع أصحاب بيعة العقبة الأولى، وهذا الاتفاق لم يكن فيه شيء غير العقيدة والأخلاق وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه معظمها تكليفات فردية، ولم يطلب منهم الحرب ولا الجهاد أو أي طلب للنصرة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مقدراً لوضع أصحاب بيعة العقبة الأولى، وكان يعلم بأن إمكانياتهم مهما كبرت فإنها محدودة، ولم يطلب منهم أن يستضيفوه هو ومن معه في مكة إلى المدينة المنورة، ومع ذلك ومع عدم التكليف للأنصار إلا أنهم هم من كان يبحث عن النصرة والمساعدة والاستضافة لرسول الله وللمؤمنين في مكة.

هناك كلمة جميلة قالها جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وهو من الستة الأنصار الأوائل الذين أسلموا في السنة الحادية عشرة من البعثة، ثم بايعه بعد ذلك في بيعة العقبة الأولى، قال هذه الكلمة وهم ما زالوا في المدينة قبل أن يأتوا مكة، قال جابر: فقلنا: -أي نحن الأنصار- حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخاف، يقول: فرحل إليه منا (73) رجلاً!


فالأنصار هم الذين سعوا إلى نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يطلب منهم ذلك، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلب منهم أن يأتوا بهذا العدد الكبير في هذا الموسم، لكن هم الذين جمعوا أنفسهم في هذا العدد الكبير من أجل أن يقنعوا الرسول صلى الله عليه وسلم بالذهاب معهم إلى المدينة، هم الذين بحثوا عن التكاليف والواجبات الشاقة والصعبة في الإسلام.

فارق ضخم هائل بين الذي يبحث عن الدعوة والنصرة والجهاد، وبين الذي يبحث عنه الناس؛ ليقوم بأمر الإسلام والجهاد، فرغبة الأنصار هذه ستفسر لنا مواقفهم التي سنقولها الآن في بيعة العقبة الثانية، وستفسر لنا مواقف الأنصار بعد ذلك في كل سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم.

كان الأنصار أنصاراً للدين بمعنى الكلمة، لم يفكروا في شيء لأنفسهم فحسب، بل عاشوا للدين وللإسلام، عاشوا لغيرهم من المسلمين، ما أبلغ الوصف الذي وصفهم به ربهم سبحانه وتعالى عندما قال: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر:9]، هذه الآية تلخص كل قصة الأنصار، ولن تستطيع أن تستوعب المواقف العظيمة للأنصار إلا في ضوء هذا المعنى الجميل الذي أشار إليه الله عز وجل في كتابه الكريم.


إعداد الرسول صلى الله عليه وسلم والأنصار
لموعد بيعة العقبة الثانية



وصل الأنصار إلى مكة مع وفدهم، وبدءوا يرتبون للموعد الذي سيتم بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، ويريد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجعله في غاية السرية؛ لأنه الموعد الذي يسبق قيام دولة المسلمين، وكذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أن يقابل ممثلين عن الخمسة والسبعين؛ لأنهم من بطون مختلفة وفروع مختلفة من الأوس والخزرج، صحيح أنهم يرجعون في النهاية إلى قبيلتين، لكن فيهم بطون كثيرة وفروع كثيرة، ومن الممكن ألا يوافق الكل على جميع الشروط التي سيقولها الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن غير المعقول أن يذهب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم يكتشف أن كثيراً منهم ليس على قدر المسئولية، أو أن فيهم معترضاً على وجود الرسول صلى الله عليه وسلم، أو على بعض بنود الاتفاق؛ لذا كان لابد أن يقابلهم كلهم، ويتأكد أنهم كلهم موافقون على هذا الموضوع بكل أبعاده، وأن كل واحد منهم سوف يبايعه ويسلّم عليه بيده؛ من أجل أن يؤكد البيعة معه بنفسه، فيطمئن من كل واحد بعينه أنه موافق على كل بنود الاتفاق.

كيف سيقابلهم وهم في زحمة الحج، ووسط مكة الصغيرة؟ كيف سيقابلهم من غير أن يشعر به أحد من أهل مكة؟

أولاً: اختار الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون الموعد في آخر ليلة من ليالي الحج، يعني: في ليلة (13) من ذي الحجة؛ لأن الحجاج سيعودون إلى بلادهم في اليوم الثاني مباشرة، فلو أن أحداً من أهل قريش علم باللقاء، فلن يصلوا إلى الوفد إلا بعد رحيله.

ثانياً: أنه جعل ساعة اللقاء في الثلث الأوسط من الليل؛ لأن الأغلب أن كل الناس في مكة سيكونون نياماً في هذا الوقت، فالذي سينام متأخراً سيتأخر نومه إلى الثلث الأول من الليل، والذي سيصحو مبكراً سيصحو في الثلث الأخير من الليل، لكن الثلث الأوسط يكون الناس فيه في الأغلب نياماً.

ثالثاً: اختار الرسول صلى الله عليه وسلم مكاناً بعيداً عن زحمة الحجاج، اختار الشعب الأيمن من العقبة، وهو مكان بعيد، لا يوجد أحد من الحجاج وضع فيه مخيمات.

رابعاً: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يخبر أحداً من المسلمين في مكة بالموعد إلا ثلاثة فقط، وسيكون لهم دور في الاجتماع، وهذا ليس بشك في المسلمين، لكنه يريد السرية التامة، فمن ليس له علاقة بالموضوع لا داعي لمعرفته، وهؤلاء الثلاثة هم: عمه العباس، وكان في ذلك الوقت ما زال مشركاً، وأبو بكر، وعلي رضي الله عنهم أجمعين، أما العباس فلأنه سيكون مشاركاً في الاجتماعات، وأما أبو بكر وعلي فلتأمين المكان ومراقبة مداخل الشعب الذي سيتم فيه اللقاء.

خامساً: ليأخذ الأنصار الحيطة أيضاً، فمعهم في الوفد (225) مشركاً في نفس الخيام، ورئيس الوفد مشرك، وهو عبد الله بن أبي ابن سلول الذي سيكون بعد ذلك زعيم المنافقين، فلابد أن يأخذوا الحذر الكافي.

يقول كعب بن مالك رضي الله عنه وأرضاه -أحد المشاركين في بيعة العقبة الثانية-: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل -أي: الأول-، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل تسلل القطا مستخفين -القطا: طائر صغير يشبه الحمام-، فكانوا يخرجون واحداً واحداً، أو اثنين اثنين، إلى أن اجتمعوا كلهم في المكان المتفق عليه.

أتى الرسول صلى الله عليه وسلم في نفس الموعد ومعه العباس رضي الله عنه، وبعث أبا بكر وعلياً كلاً منهما على مدخل من مداخل الشعب للمراقبة.



سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 13- بيعة العقبة الثانية-1



الدرس الثالث عشر بيعة العقبة الثانية


تمثل بيعة العقبة الثانية نقلة نوعية في تاريخ الدعوات، حيث ضحى المهاجرون والأنصار بكل شيء في مقابل نصرة الدين، فالأنصار علموا أنهم سيحاربون كل الناس بجميع أجناسهم وأطيافهم، ويمنعون حامل الرسالة من أن يصاب بأذى، وأما المهاجرون فقد تركوا خلفهم كل شيء؛ ليستقبلوا أمر الدعوة ويتحملوا تبعاتها مع إخوانهم الأنصار .


أحداث بيعة العقبة الثانية 

في السنة الثالثة عشرة من البعثة



إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الثالث عشر من دروس السيرة النبوية المطهرة: فترة مكة.

فيما سبق تكلمنا عن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لستة من الخزرج في السنة الحادية عشرة من البعثة، وعن دعوة هؤلاء الستة للإسلام في يثرب، وكيف عادوا في العام الثاني عشر في موسم الحج وكان عددهم (12)، وعقد الرسول صلى الله عليه وسلم معهم البيعة المشهورة المسماة: ببيعة العقبة الأولى، وكانت هذه البيعة تهتم في الأساس بالعقيدة السليمة، والأخلاق الحسنة، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم عادوا إلى المدينة المنورة ومعهم مصعب بن عمير رضي الله عنهم؛ لكي يعلمهم ويعلم أهل المدينة الإسلام.

وتكلمنا عن نشاط مصعب بن عمير مع أسعد بن زرارة رضي الله عنهما في الدعوة في المدينة المنورة في خلال السنة الثالثة عشرة من البعثة، وذكرنا قصة إسلام أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، ورأينا كيف انتشر الإسلام في المدينة حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا ودخلها الإسلام، ومرت الأيام وانتهت السنة الثالثة عشرة من البعثة، ورجع مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه إلى مكة قبل موسم الحج، وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بوضع المدينة وإمكانياتها، وعدد المسلمين وإمكانياتهم وأخلاقهم وتربوياتهم، أعطاه صورة كاملة عن الوضع في المدينة.


عدد وفد الأنصار في الحج 
في السنة الثالثة عشرة من البعثة



في موسم الحج في السنة (13) من البعثة حضر المسلمون من المدينة إلى مكة لمقابلة الرسول صلى الله عليه وسلم والاستماع منه، ومعظم هؤلاء لم يروا الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل الإسلام الذي تعلموه وعرفوه كان عن طريق مصعب رضي الله عنه.
أتى الوفد المسلم من يثرب ضمن الوفد اليثربي الكبير المشرك، المكون من (300) تقريباً، منهم: (75) مسلماً، (73) من الرجال وامرأتان.

والغريب أن المشركين الذي كانوا في هذا الوفد لم يعرفوا أكثر المسلمين، يعني: أن المسلمين من الأنصار كانوا غير معروفين في المدينة بإسلامهم، مع أن دعوة مصعب بن عمير كانت علنية، كان يجلس وسط كل الناس، لكن يبدو أن الذي يسلم كان لا يعلن إسلامه؛ مراعاة لظروف المدينة وكثرة المشركين، ووجود اليهود، وغير ذلك من العوامل، كل هذا جعل الدعوة علنية لكن التربية سرية، واستطاع مصعب بن عمير رضي الله عنه والأنصار أن يكيفوا ظروفهم بحيث تتناسب مع ظروف المدينة المنورة في ذلك الوقت.




الاثنين، 1 أبريل 2013

سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 12- بيعة العقبة الأولى-9



إسلام أسيد بن حضير وسعد بن معاذ 
على يد مصعب بن عمير



من أجمل وأروع وأعظم ما حدث مع أسعد ومصعب دعوة أسيد بن حضير وسعد بن معاذ رضي الله عنهما، وهما سيدا بني عبد الأشهل من قبيلة الأوس، وهي قبيلة أخرى غير قبيلة أسعد.

ذهب أسعد بـ مصعب إلى حديقة للأوس، وجمع له الذي استطاع أن يجمع منهم، وبدأ مصعب يقرأ عليهم القرآن، كل هذا وسادات الأوس في الحديقة، أسيد بن حضير وسعد بن معاذ، وكانا ما زالا مشركين، فسمع سعد بن معاذ بأمر مصعب وأسعد، فغضب غضباً شديداً، وفكر أن يذهب إليهما، لكن أسعد بن زرارة ابن خالة سعد بن معاذ فرأى غير ذلك، فقال سعد بن معاذ لـ أسيد بن حضير: اذهب إلى هذين اللذين قد أتيا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي، ولولا ذلك لكفيتك هذا، فأخذ أسيد حربته وذهب إليهما، فلما رآه أسعد آتياً من بعيد لم يخف، ولكنه قال لـ مصعب كلمة في منتهى الأهمية، قال له: هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه.

انظروا إلى فقه أسعد، علم أن الصدق مع الله يفتح القلوب، ويُذكر من؟! يذكر مصعباً القارئ المقرئ، يذكر الرجل الذي عنده علم، لكن: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات:55].
قال مصعب لـ أسعد: إن يجلس أكلمه، فجاء أسيد ووقف عليهما مستعداً للقتال، وقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا، اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة.
يعني: اذهبا من هنا لو كنتما تخافان على أنفسكما.

كلام غليظ مستفز، لكن قلب مصعب واسع، فقال في منتهى الهدوء وسعة الصدر: أو تجلس فتسمع؟! فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره.
فقال أسيد بن حضير: أنصفت، وجلس وهو مستند على حربته.

بدأ مصعب رضي الله عنه يتكلم عن الإسلام، وبدأ يقرأ القرآن، ووقعت كلمات الرحمن في قلب أسيد بن حضير فتغير وجهه تماماً، وذهب الغضب من وجهه، وبانت عليه سكينة وهدوء، وتأثر لدرجة أن أسعد بن زرارة يقول: فو الله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتهلله.

قال أسيد بن حضير: ما أحسن هذا الكلام وما أجمله، وبعد ذلك قال كلمة عجيبة جداً وهو جالس في نفس اللحظة: كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ كان الرجل يقف مستعداً للقتال، وفي لحظة ترك دينه الذي عاش عليه سنوات وسنوات بمجرد أن سمع بعض الآيات، وبعد أن جاء ليطردهما وأسعد من الخزرج ومصعب ليس من المدينة أصلاً، لكن كلمات القرآن كانت تنزل على قلب أسيد برداً وسلاماً، غيرته كلية من دينه ومن حياته، يريد أن يدخل في الإسلام مباشرة.

قال له أربعة أشياء: تغتسل، وتطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم الرابعة: تصلي ركعتين.
فقام واغتسل وطهر ثوبه وتشهد وصلى ركعتين، وأصبح أسيد مسلماً.
بهذه السهولة انتقل من معسكر الكفر إلى معسكر الإيمان، وما هي إلا دقائق حتى شعر أسيد رضي الله عنه بحلاوة الإسلام، وأحب أن ينقل هذه الحلاوة لمن يحبهم، ولم يصبح مسلماً فقط، بل أصبح داعية، ففكر في سعد بن معاذ، قال أسيد: إن وراءي رجلاً إن تبعكما لن يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرشده إليكما، ذهب أسيد ليخبر سعد بن معاذ، فلما رآه سعد من بعيد، وكان رجلاً ذكياً لماحاً، قال بنظرة واحدة: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، وصدق سعد، لقد ذهب أسيد من عنده بوجه كافر، وعاد إليه بوجه مؤمن، وشتان بينهما،


فقال له سعد: ماذا عملت؟ ففكر أسيد أن يكذب لكي يدفع سعداً للذهاب إلى مصعب، لم يكن يعرف أن الكذب حرام في الإسلام، فبدأ يؤلف قصة، وقال: والله ما رأيت بهما بأساً، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حُدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك.
يعني: لإهانتك.

فأخذ سعد بن معاذ حربته وتوجه إليهما، فلما وصل لم يجد بني حارثة ولم يجد أحداً معهما، بل وجدهما جالسين من غير أي مشاكل، ففهم أن أسيداً كان يدفعه لكي يأتي ويقابلهما، ولم يجد بداً من أن يجلس معهما لكي يطردهما بنفسه.
لما رآه أسعد بن زرارة آتياً من بعيد قال لـمصعب : جاءك والله سيد من ورائه قومه إن يتبعك لم يتخلف عنك منهم أحد، فانتظر مصعب حتى جاء سعد، فأتى سعد بسرعة ووجه كلامه مباشرة إلى أسعد، وتجاهل وجود مصعب ، قال: والله! يا أبا أمامة! لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، تغشانا في دارنا بما نكره؟! وقبل أن يرد أسعد دخل مصعب في الحوار وقال لـسعد : أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره.
قال سعد بن معاذ : أنصفت،

فجلس سعد وهو مستند على حربته، وبدأ مصعب يتكلم في الإسلام، ويقرأ القرآن، وكما أثر القرآن في أسيد أثر في سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه أيضاً، وظهر على وجهه، يقول أسعد بن زرارة : فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتهلله، ثم قال سعد بن معاذ وكأنه يأخذ قراراً سهلاً في حياته، قال: كيف تصنعون إذا أسلمتم؟


هذا القرآن! ها هو يحول سعد بن معاذ رضي الله عنه من كافر لا يساوي عند الله شيئاً إلى مؤمن يهتز عرش الرحمن لموته بعد ذلك. قالا: تغتسل وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين. ففعل ذلك سعد ، وأصبح مسلماً، وكما أصبح أسيد داعية بعد إسلامه مباشرة، كذلك كان سعد بن معاذ داعية بعد الإسلام، ولكنه كان داعية عجيباً، وصنع شيئاً لا يستطيع أحد أن يصنعه في الإسلام في عشرات السنين، وضع مفاصلة عجيبة مع قبيلته، كان من الممكن أن يدفع فيها ملكه وسيادته ووضعه الاجتماعي، كانت هذه المفاصلة وعمره في الإسلام مجرد لحظات، لقد ولد إيمان سعد عملاقاً بمعنى الكلمة.

ذهب سعد إلى قبيلته وقال لهم: يا بني عبد الأشهل! كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأياً وأيمننا نقيبة، فقال سعد في وضوح وصرامة: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله. مفاصلة كاملة عجيبة، ماذا كان سيحصل لو أن القبيلة رفضت الإسلام؟! سيختارون رئيساً غيره، لكن سعداً تغير، ولم تعد الدنيا تساوي في عينيه أي شيء، وشعر أن عمراً طويلاً ضاع منه، وكان كل همه ألا يضيع الباقي، لكن الحمد لله دخلت قبيلة سعد -بني عبد الأشهل- بكاملها في دين الإسلام في يوم واحد، إلا واحداً تأخر إسلامه أربع سنوات وبعد ذلك أسلم.


هل رأيتم النصر، كيف من الممكن أن يكون قريباً؟! قبل دقائق كانوا مجموعة قليلة ضعيفة بسيطة، والآن أصبحوا مئات ومئات، دخلت في الإسلام قبيلة بأكملها برجالها ونسائها وأطفالها وخيولها وسلاحها، وكل ذلك لكي يبين لنا ربنا رسالة مهمة وهي: أن لحظة التمكين بيده سبحانه وتعالى، وممكن أن تكون قريبة وبطريقة لا يحسب لها المسلمون أي حساب، فإن الله يختار الطريقة والتوقيت، لكن المطلوب منا أن نفعل مثل مصعب و أسعد ، نبذل المجهود حسب الطاقة، ونخلص النية لربنا سبحانه وتعالى، ونصدق الله عز وجل، وسيجعل الله عز وجل بعد كل ضيق فرجاً ونصراً.


تغير الوضع في المدينة، وتحولت إلى خلية نحل، فهذا أسعد و مصعب و سعد و أسيد ..وغيرهم، كلهم يعملون في الدعوة، وصل الإسلام إلى كل مكان في المدينة، ولم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، حتى الذي لم يدخل في الإسلام أصبح يسمع عنه، وأصبح واضحاً أن المدينة مقبلة على مرحلة جديدة، وسيكون لها دور كبير في تغيير واقع الأرض كلها، وفي تغيير خريطة العالم، كل هذا في أقل من سنة.


تذكروا معي التاريخ، قبل ثلاث سنوات كان عام الحزن، بكل الهموم والأحزان الذي فيه، ومن سنتين كانوا ستة من الخزرج، ومن سنة كانوا اثني عشر، عشرة من الخزرج واثنين من الأوس، والآن الإسلام دخل كل بيوت المدينة، إن النصر لقريب، لكن المهم أن تعمل.

عاد مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه إلى مكة قبل موسم الحج من السنة الثالثة عشرة من البعثة، عاد ونقل أحداث الموقف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقل له الأخبار السعيدة بإيمان الأنصار، ووضح له منعة المدينة في يثرب، ومنعة رجالها، وقوة بأسها وسلاحها، وعرفه مواطن القوة فيها، ومفاتيح التغيير في الرجال هناك، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخيل المدينة وهو في مكة وكأنه يراها رأي العين، يراها شارعاً شارعاً ويعرف رجالها رجلاً رجلاً.

ترى ماذا حدث بعد هذا الانتشار العظيم للإسلام في يثرب؟! ما هو رد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر؟! ما هي تفاصيل البيعة الخطيرة التي ستحدث في العام الثالث عشر من البعثة؟ (( فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ )) غافر :44 وجزاكم الله خيراً كثيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.




سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 12- بيعة العقبة الأولى-8


طريقة مصعب في الدعوة إلى الله في المدينة


عاد الأنصار ومعهم الصحابي الجليل القدوة مصعب بن عمير رضي الله عنه إلى يثرب، وبدءوا يقومون بعمل منظم في يثرب، وفي تلك السنة كانت يثرب مختلفة تماماً عن السنوات التي قبلها، بعد أن كانت غارقة بالدم نتيجة الصراع بين الأوس والخزرج.

نزل مصعب بن عمير رضي الله عنه في ضيافة أسعد بن زرارة الخزرجي رضي الله عنه، وأسعد لم يكن عمره آنذاك قد وصل ثلاثين عاماً، لكنه كان من أحكم الصحابة رضي الله عنهم، كان أسعد يعرف كل أهل المدينة، وكانت له علاقات جيدة بمعظمهم، لكن ليس عنده علم مصعب، ومصعب عنده علم غزير، لكن لا يعرف أحداً في المدينة.

كان أسعد رضي الله عنه يأخذ مصعباً رضي الله عنه إلى كل بقعة في يثرب، ويدخل به كل بيت وملتقى وشارع، ويعرفه بكل من لقيه، وبعد أن يعرفه عليه يبتدئ مصعب بن عمير رضي الله عنه بالتعريف بالإسلام وقراءة القرآن، وهكذا كانا، فـ مصعب بغير أسعد لن يستطيع أن يصل إلى أهل يثرب، وأسعد بغير مصعب لا يستطيع أن يقنع الناس بحلاوة الإسلام، وأسعد بهذه الطريقة كان من خير الدعاة، نعم هو لا يخطب ولا يتكلم، لكن من غيره مصعب لن يتكلم، وهذه حلاوة الدعوة، والعمل الجماعي، كلٌ يجد له دوراً يكمل به دور الآخر، وكل هذا يفيد الدعوة بلا شك.

والجميل في أسعد بن زرارة رضي الله عنه أنه لم يكن يأخذ مصعباً إلى الخزرج فقط، ولكنه كان يأخذه إلى الأوس أيضاً، نسي الصراعات القديمة والدم والثأر والقبلية، وعاش حياته كلها للإسلام فقط.




سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 12- بيعة العقبة الأولى-7



سفارة مصعب إلى المدينة ومهامه فيها


بعث الرسول صلى الله عليه وسلم واحداً من المسلمين المكيين إلى يثرب، يمثل دور السفير، لكنه في الحقيقة أعلى بكثير من دور السفير العادي الذي ينقل الرسائل من وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم، كانت له أدوار إيجابية مهمة: الدور الأول: تعليم المسلمين هناك الإسلام.
الدور الثاني: أن يكون صورة متحركة للإسلام، وقدوة للناس.
الدور الثالث: إدخال القدر الذي يستطيعه من أهل البلد في الإسلام، لكي تكون حماية البلد بعد ذلك معتمدة على أبنائه من داخله.
الدور الرابع: تمهيد البلاد نفسياً لاستقبال المسلمين بعد ذلك من مكة والحبشة، أو من أي مكان في الأرض.
الدور الخامس: دراسة الوضع العسكري والأمني والاقتصادي ليثرب؛ لأنها ستكون دار الهجرة.
كانت المهمة ضخمة؛ لأنها مهمة التخطيط لبناء دولة، ولا بد أن الذي سيختاره يكون أهلاً لهذه المهمة.


سبب اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم
مصعب بن عمير لدور السفير إلى المدينة



اختار الرسول صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير رضي الله عنه، ولا بد أن نقف وقفة مع مصعب بن عمير، ومع سبب اختياره من دون كل الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
لقد اتصف مصعب بصفات كثيرة، جعلته يستطيع القيام بهذه المهمة الكبيرة، وهذا يثبت أن الاختيار كان حكيماً، ولم يكن عشوائياً أبداً.

أولاً: كان مصعب بن عمير من أعلم الصحابة رضي الله عنه وأرضاه، كان يحفظ كل ما نزل من القرآن، وهو من أوائل من أسلم، وخاض التجربة الإسلامية من أولها، ويعرف متى نزلت آيات القرآن ومعناها، ورأي الرسول صلى الله عليه وسلم في تفسير الآيات التي نزلت.

إذاًَ: نقطة العلم نقطة في غاية الأهمية، وبالذات أن المسافة بين مكة ويثرب (500) كيلو، وليس هناك فرصة لسؤال الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس هناك مصادر أخرى للعلم غير مصعب، فلا بد أن يكون عالماً بحق، وحفظ القرآن كان مهماً جداً؛ لأنه ليس مجرد وسيلة معجزة لإثبات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنه أيضاً دستور ومنهاج حياة كاملة للمسلمين، فالذي يحفظ القرآن ويفهمه ويعمل به هو أصلح واحد من يقوم بهذه المهمة.


ثانياً: أن مصعب بن عمير رضي الله عنه كان يتصف باللباقة والذكاء والهدوء والصبر، وسعة الصدر والحلم، وهذه صفات أساسية في أي داعية، كان مصعب إنساناً رقيقاً هادئاً متواضعاً، فيه ذكاء شديد، أي: أنه داعية مثالي.


ثالثاً: أن مصعب بن عمير رضي الله عنه من أشراف أهل مكة، كان من بني عبد الدار الذين يحملون مفتاح الكعبة، ويتوارثونه كابراً عن كابر، وليس معنى هذا أن الإسلام أتى ليفرق بين أصحاب الأصل الشريف وبين غيره من الناس، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يراعي حالة أهل يثرب، ولا يريد أن يفتنهم، يا ترى ماذا سيكون حالهم لو ذهب إليهم رجل بسيط ضعيف عبد أو حليف؟ ربما لن يسمعوا منه أصلاً، لكن مصعب بن عمير من أشرف الصحابة نسباً.

رابعاً: مصعب بن عمير رضي الله عنه سيكون خير قدوة للأغنياء الذين يريدون الدخول في هذا الدين، ويترددون بسبب ملكهم أو أموالهم؛ لأن مصعباً يقدم لهم المثال العملي لرجل استطاع أن يترك المال من أجل الدعوة، وكذلك الفقراء سيتأكدون أن الدين لا يفرق بين الغني والفقير فعلاً.

خامساً: سيكون إرسال مصعب بن عمير رضي الله عنه إلى يثرب إعلاناً واضحاً لأهل يثرب ولمكة ولغيرهما أن هذا الدين ليس ثورة من الفقراء على الأغنياء، هذا هو السفير الإسلامي كان رجلاً غنياً وواسع الغنى، ثم ترك ماله ليصبح مسلماً وإن كان فقيراً، وهذا يعني أن دعوة الإسلام لم تظهر من أجل عوامل اقتصادية كما يقول كثير من الناس.

سادساً: هذا السفير المنعزل في يثرب الذي يعيش على بعد (500) كيلو من الرسول صلى الله عليه وسلم قد يفتن بالدنيا هناك، وبراحة العيش، ورغد الحياة، مثل ما نرى نحن من يكون شعلة من النشاط، لكن عندما تعرض عليهم الدنيا يفتنون بها ويبتعدون عن الطريق، أما مصعب فلم يكن هكذا، فقد نجح في الاختبار الصعب الذي قامت به أمه معه، ولئن كان قادراً على رفض الدنيا من يد أمه، فهو على رفضها من أيدي الآخرين أقدر.

سابعاً: الداعية المنعزل الذي يعيش لوحده بعيداً عن المسلمين، ويعلم الناس والناس تمشي وراءه، قد يفتن بفتنة الرئاسة والزعامة، وينسلخ عن الصف بمن تبعه، وهذه كارثة حقيقية، لكن مصعباً في الحقيقة أثبت قدرته على الوقوف أمام فتنة الرئاسة؛ فـ مصعب من بني عبد الدار، ومكانته في قريش معروفة، وزعامته فيها كانت وشيكة لولا ارتباطه بهذا الدين، لو كان فعلاً يريد الزعامة لظل على شركه ولم يدخل في الإسلام، لكنه اختار الإسلام ورفض الزعامة.

ثامناً: أن مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه كان من المهاجرين إلى الحبشة في الهجرتين الأولى والثانية، ونحن لا نعرف متى عاد من الهجرة الثانية، ولعل الرسول صلى الله عليه وسلم استدعاه لأجل هذه المهمة، ولا شك أن هجرة الحبشة قد أكسبته خبرة كبيرة في التعامل مع الأغراب، ومع عادات وتقاليد مختلفة، فإذا كان يستطيع أن يتعامل مع أهل الحبشة وهم ليسوا عرباً أصلاً، ودينهم غريب على الجزيرة العربية، فيستطيع أن يتعامل مع أهل يثرب الذين هم من العرب، وفي نفس الوقت دينهم هو الدين الذي عليه أهل مكة.

تاسعاً: هجرة الحبشة أعطت مصعباً القدرة على ترك الديار ومفارقة الأهل والأحباب.
نحن لا نعرف مهمة يثرب كم ستأخذ من الوقت، سنة أو سنتين أو ثلاث سنين، فالذي استطاع أن يصبر على الهجرة فترة طويلة، يستطيع أن يصبر على هذه الهجرة أيضاً.

عاشراً: أن مصعب بن عمير رضي الله عنه كان عمره (35) عاماً وقت هذه السفارة، وهذا سن مناسب جداً لهذا العمل، فهو ليس شاباً صغيراً حتى يتهور أو يندفع، وليس شيخاً مسناً حتى تصعب عليه الحركة والدعوة والمشقة.

فتلك عشرة كاملة من أجلها اختار الرسول صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير ليكون أول سفير في الإسلام، وربما هناك أسباب أخرى كثيرة رآها الرسول صلى الله عليه وسلم في مصعب بن عمير رضي الله عنه .



سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 12- بيعة العقبة الأولى-6



لقاء الرسول بأصحابه في بيعة العقبة الأولى


مرت الأيام وجاء موسم الحج من السنة الثانية عشرة من البعثة، وأصبح الستة اثنى عشر، وجاءوا يقابلون الرسول صلى الله عليه وسلم.
الذي ينظر إلى عام الحزن والعام الذي بعده -العام العاشر والحادي عشر من البعثة- يرى أنه من المستحيل لأمة الإسلام أن تقوم إلا بعد قرون، لكن مجموعة صغيرة من الخزرج آمنت، وبعد سنتين فقط أصبح للمسلمين دولة! من الواضح أن النصر قد يكون قريباً مهما كانت الفجوة بينك وبين عدوك واسعة وكبيرة، لكن المهم أنك تمشي في الطريق الصحيح، والطريق الصحيح هو طريق الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك ندرس السيرة.

جلس الرسول صلى الله عليه وسلم مع الاثني عشر مسلماً الذين جاءوا من يثرب، عشرة من الخزرج واثنين من الأوس، وبدأ معهم المفاوضات، وهذه المفاوضات عرفت في التاريخ بعد ذلك باسم بيعة العقبة الأولى؛ لأن المكان الذي تمت فيه كان عند العقبة، والأولى لأن هناك بيعة أخرى ستأتي بعد ذلك بسنة.

واتفق الرسول صلى الله عليه وسلم مع هؤلاء المسلمين، ولكن لم يطلب منهم النصرة والمساعدة كما طلبها من بني شيبان أو من بني عامر أو من غيرهم؛ لأنه يعرف أن القرار ليس بأيديهم في يثرب، ولا يريد أن يحملهم فوق طاقتهم، وفي نفس الوقت يربيهم لكي يحملوا هذه المهمة مستقبلاً، وفوق ذلك كان يريد أن يزيد من عدد المسلمين في يثرب، حتى يصل إلى المستوى الذي يمكنهم فيه من تحمل مسئولية الدفاع عن الإسلام.


بنود بيعة العقبة الأولى


يحكي لنا عبادة بن الصامت قصة البيعة، وكان من الذين شاركوا في هذه البيعة الهامة في تاريخ الإسلام، يقول عبادة: كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلاً، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، عرفت بذلك لأنها لم يشترط فيها جهاداً ولا حرباً.


وكانت بنود البيعة كالتالي: البند الأول: على أن لا نشرك بالله.
البند الثاني: ولا نسرق.
البند الثالث: ولا نزني.
البند الرابع: ولا نقتل أولادنا.
البند الخامس: ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا.
البند السادس: ولا نعصيه في معروف.
هذه هي الشروط التي على الصحابة.


والجزاء: (فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى الله عز وجل، إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم).
البيعة بسيطة في ألفاظها وفي عدد كلماتها، لكنها عميقة في معانيها، فهي تضع قواعد لبناء المجموعة التي من الممكن أن تحمل مستقبل الأمة الإسلامية على كتفيها.

أول بند ذكره هو القضية الأساسية في الإسلام: أن لا نشرك بالله.
العقيدة الصحيحة، لا يقدم أمر على أمر الله عز وجل، لا بد أن يعرفوا ذلك من أول يوم.
أما البند الثاني والثالث والرابع والخامس في البيعة فهي بنود ذكرت لأجل هدف واحد، هو الارتفاع بأخلاق هذه الأمة إلى أعلى مستوى.
لا تقوم الأمة على أكتاف المترخصين في قضية الأخلاق، إن ضاعت الأخلاق ضاع كل شيء، ضاعت السياسة، والاقتصاد، والحكم، والقضاء، والمعاملات، وكل شيء.
إذاً: بعد بند العقيدة الأولى أتى بأربعة بنود من أجل قضية الأخلاق.

أما البند السادس فهو مهم ويحتاج إلى وقفة.
يقول جابر: ولا تعصوني في معروف.
وهذا البند يوضح شيئين لا تقوم أمة الإسلام من غيرهما:

الشيء الأول: طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم عصيانه.
الشيء الثاني: أن هذه الطاعة لا تكون إلا في المعروف.
وهذا بند قد يستغربه بعض الناس؛ لأن من البدهيات أن الرسول صلى الله عليه وسلم لن يأمر إلا بالمعروف، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام يضع قواعد لمستقبل الأمة الإسلامية حتى يوم القيامة، فالذي يقوم مقام الرسول صلى الله عليه وسلم في غيابه أو بعد موته لا بد أن يطاع، ولكن لا يطاع إلا في معروف، (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، وهذه قاعدة أصيلة في بناء الأمة الإسلامية.


جزاء أهل بيعة العقبة


أما عن الثمن في مقابل تنفيذ هذه البنود، فإنه لم يعدهم بمال ولا برئاسة ولا بوضع اجتماعي معين، ولا أمن وأمان، وإنما قال كلمة واحدة، ولا يوجد أحد يستطيع أن يحمل مهمة بناء الأمة الإسلامية إلا إذا كان غرضه في النهاية هذه الكلمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإن وفيتم فلكم الجنة)، أما كل الأثمان الأخرى من مال ورئاسة وأمن وراحة فقد تأتي وقد لا تأتي، ليست هي القضية، وليست هي منتهى أحلام المؤمنين، {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة:111]، فقط الجنة.

وهنا يتضح الفارق الهائل بين مجموعة الأنصار التي بايعت هنا، وبين قبائل بني شيبان وبني عامر وغيرهم ممن اشترطت شروطاً معينة للإيمان، لكن مع كل التكاليف التي فرضت على الأنصار لم يكن هناك أي وعد بأي شيء إلا الجنة، ولذلك بارك ربنا سبحانه وتعالى في هذه البيعة، وكان آخرها دولة وسيادة وتمكيناً.
هذا هو ديننا.

عاد الاثنا عشر إلى يثرب، التي أصبح اسمها: المدينة المنورة عندما هاجر إليها الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن حينها وهم معروفون باسم الأنصار، وبقي معهم هذا الاسم؛ لأنهم فعلاً الذين نصروا الدعوة، ونصروا الإسلام، ونصروا الرسول صلى الله عليه وسلم، ونصروا المهاجرين، وتغير حال المسلمين تماماً بعد إسلامهم.



سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 12- بيعة العقبة الأولى-5



دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم للخزرج
في العام الحادي عشر من البعثة



قام الرسول صلى الله عليه وسلم من مجلس بني شيبان، وانتقل مباشرة إلى مجلس فيه ستة من الرجال، وكان من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا يترك صغيراً ولا كبيراً إلا ودعاه للإسلام.

نسي الرسول صلى الله عليه وسلم كل شيء عن بني شيبان، وبدأ يتكلم مع هؤلاء في منتهى الحماس، قال: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج.
الخزرج قبيلة كبيرة مشهورة في يثرب، كما أن لديهم قبيلة مشهورة أخرى هي الأوس، وهؤلاء هم الأنصار، ويثرب مدينة في شمال مكة على بعد حوالي (500) كيلو تقريباً.

بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم المفاوضات بسؤال مهم، قال: (أمن موالي اليهود؟! -يعني: حلفاء اليهود؟ - قالوا: نعم).
كان الرسول صلى الله عليه وسلم مطلعاً على أحوال زمانه، وكان يعرف موازين القوى في العالم، فمثلما كان يعرف وضع بني شيبان ومملكة فارس، وخطورة أن يتعامل مع بني شيبان، وعين لهم معه وعينهم الأخرى مع كسرى، أيضاً كان يعرف أن اليهود يعيشون في يثرب، وأنهم قوة سيكون لها أثر إما سلبي وإما إيجابي، ومن المؤكد أنه سيكون لها أثر أيضاً على من يعيشون بجانبهم.

فوضع الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الخلفية في ذهنه، ثم قال لهم: (أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى) وجلسوا، فجلس معهم الرسول صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم الإسلام وقرأ عليهم القرآن، كأي قبيلة من القبائل، فآمن هؤلاء الستة من ساعتهم.
لقد مرت علينا في السيرة مواقف كثيرة يؤمن فيها الإنسان بمجرد سماع القرآن، لكن هذا يكون على المستوى الفردي، لكن هذا الإيمان الجماعي غريب، ولا بد أن نقف معه وقفة لكي نحلل ونستفيد.

الحقيقة أن الله سبحانه وتعالى كان يعد هذه المجموعة بطريقة عجيبة؛ لكي تقبل الإسلام بهذه السهولة، ثم بعد ذلك تتحرك بالإسلام بنفس السهولة، وكان هذا الإعداد بأمور:

أولاً: خلفية العلاقة مع اليهود.
اليهود خلق عجيب، كان إذا حدث بينهم وبين الأوس والخزرج خلاف قالوا لهم: إنه سيظهر في هذا الزمان نبي وسوف نتبعه ونقتلكم قتل عاد وإرم، ونتيجة هذه الأخلاق الفاسدة وقر في قلوب الأوس والخزرج بغض شديد لليهود، وفي نفس الوقت خوف كبير منهم، لكن الأهم من ذلك أن الأوس والخزرج كانوا يقتنعون بقرب ظهور النبي صلى الله عليه وسلم، أو على الأقل كانوا يصدقون فكرة ظهور الرسل على خلاف أهل مكة، وفي نفس الوقت يملؤهم الخوف من الرسول الذي سيظهر واتحاد اليهود معه، فلما سمعوا هذا الكلام قال بعضهم لبعض بمنتهى الصراحة وأمام الرسول صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا قوم! تعلمون والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه.
لولا غلظة اليهود ما أخذ الخزرج قرارهم بهذه السرعة.

ثانياً: الخلفية الاجتماعية لمدينة يثرب في ذلك الوقت، كانت هناك حرب أهلية طاحنة بين الأوس والخزرج، ففي يوم بعاث المشهور دارت حرب هائلة بين الأوس والخزرج، وهذا اليوم كان في نفس السنة، كان في السنة الحادية عشرة من البعثة، منذ شهور قليلة، ولو استمر الحال على هذا الأمر لفنيت القبيلتان.

ففكر الخزرج أن هذا الرجل -صلى الله عليه وسلم- بما له من حلاوة منطق وقرآن معجز يستطيع أن يجمع القبيلتين ويحفظهم من الهلكة، وهم بأنفسهم قالوا هذا الكلام، قالوا: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك.

تقول السيدة عائشة: كان يوم بعاث يوماً قدمه الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم -يعني: بسبب هذا اليوم أتى الناس وآمنوا بسرعة- وقد افترق ملؤهم وقتلت سرواتهم -يعني: شرفاؤهم- وجرحوا، فقدمه الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في دخولهم في الإسلام.

إذاً: خلفية العلاقة مع اليهود، وخلفية الصراع المهلك الذي كان في يثرب جعل هؤلاء الستة يسلمون بسرعة، وليس هكذا فقط، بل جعلهم يرجعون بسرعة إلى يثرب ليحاولوا نشر الإسلام بأسرع طريقة؛ لكي يوحدوا الأوس والخزرج، ولكي يستطيعوا أن يقفوا أمام اليهود.

هذا ترتيب رباني عجيب! ينصر رسله والذين آمنوا في الوقت الذي يشاء، وبالطريقة التي يشاء، ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يخطط لمقابلة هؤلاء الستة هذه السنة، لكنه كان يعمل في دعوته بمنتهى الحماس، قابل بني عامر وبني شيبان وبني عبس وبني حنيفة وغيرهم وغيرهم، ولكن ربنا شاء أن يؤمن هؤلاء، وفي هذا التوقيت بالذات.


ونعود ونقول: ليس المهم كم شخصاً آمنوا على يديك، ولكن المهم كم شخصاً أوصلت إليه رسالة الإسلام.
وهؤلاء الستة هم: أسعد بن زرارة وجابر بن عبد الله وعوف بن الحارث ورافع بن مالك وقطبة بن عامر وعقبة بن عامر.
وقطبة وعقبة ليسا بإخوة ولكنه مجرد تشابه في الأسماء رضي الله عنهم أجمعين.

قال هؤلاء الستة: فسنقدم على قومنا يا رسول الله، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. وعاد الستة إلى يثرب وبدءوا يتكلمون عن الإسلام، وليس هكذا فقط، بل بدءوا يتحدثون مع الأوس بهذا الشأن، وتناسوا يوم بعاث، وآمن بالفعل على أيديهم اثنين من الأوس، أبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ساعدة رضي الله عنهما .

مرت سنة كاملة وهم يعملون في الدعوة في يثرب، ومع أن علمهم قليل، وسمعوا آيات قليلة من الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنهم تحركوا بهذه الآيات، (بلغوا عني ولو آية) .



سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 12- بيعة العقبة الأولى-4


دعوة النبي صلى الله عليه وسلم 
لقبيلة بني شيبان ونتائج ذلك

ج2



قال هانئ بن قبيصة: لقد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإني أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر لوهن في الرأي، وقلة نظر في العاقبة.
يعني: ليس من المعقول أننا من جلسة واحدة ندخل في الإسلام ونحارب الدنيا بأكملها، وإنما تكون الزلة مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقداً، ولكن ترجع ونرجع، وتنظر وننظر.
يعني: أعطنا فرصة للتفكير، وأنا أعتقد أن هذا انسحاب مؤدب من هانئ.


إذاً: مفروق كان موافقاً، و هانئ متردد، وهو يميل إلى عدم الموافقة الآن، وإذا كانت العملية سيكون فيها حروب، فرأي وزير حربية بني شيبان سيكون مهماً أيضاً، وكان وزير الحربية عندهم هو المثنى بن حارثة رضي الله عنه؛ وقد أسلم بعد ذلك. قال هانئ : وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا. المثنى فارس مغوار، وصاحب عقلية عسكرية فذة، وهو مشهور في العرب بذلك.


قال المثنى بن حارثة : قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة . يعني: هو مع عدم التسرع في دخول الإسلام، لكنه أضاف نقطة مهمة جديدة في المباحثات، بدأ يتحدث عن الوضع العسكري لبني شيبان، وكلامه هذا عن الوضع العسكري هو الذي سيجعله في النهاية يأخذ قراراً خطيراً. قال المثنى : إنما نحن نزلنا بين صرتين اليمامة والسماوة. الصرى هو تجمع المياه، يعني: أننا بين تجمعين للمياه، وبالتالي تجمعين للبشر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما هذان الصريان؟ -أي: ما هما التجمعان؟- قال المثنى بن حارثة : أنهار كسرى، ومياه العرب ) .


أي: تجمع دولة فارس، وتجمع القبائل العربية؛ لأن قبيلة بني شيبان كانت على حدود العراق، والعراق كانت مملكة فارسية، والجزيرة العربية فيها عشرات القبائل، وهو أراد أن يبين له حدود إمكانياته، وسيعرض عرضاً خطيراً. قال المثنى : فأما ما كان من أنهار كسرى -يعني: دولة فارس- فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول، وأما ما كان من مياه العرب فذنبه مغفور، وعذره مقبول.

يعني: نحن لا نستطيع أن نغضب كسرى فارس؛ لأن الخطأ في حقه غير مقبول، أما العرب فنحن نقدر عليهم. كان مفروق يقول: نحن أكثر من ألف، لكن عندما تقارن ذلك بجيش فارس فهو أكثر من مليونين، عندما تأتي قبيلة تفتخر أنها أكثر من ألف، وبجانبها دولة فيها مليونا جندي، ليس الشعب وإنما الجنود فقط تعرف أن الفجوة هائلة، وبالحسابات المادية فقط مستحيل أن يصمد أحد أمام فارس، وفوق ذلك فتوقعات المثنى أن كسرى فارس لن تعجبه دعوة الإسلام، فيقول للرسول صلى الله عليه وسلم لا بد أن تعرف أنه لو غضب كسرى فارس فنحن ليس لنا شأن بك. قال: وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى ، ألا نحدث حدثاً ولا نؤوي محدثاً، يعني: لا نخترع شيئاً جديداً، ولا ندافع عن أحد أتى بشيء جديد، ثم قال: وإني أرى أن هذا الأمر -أي: الإسلام- مما تكرهه الملوك.


وفي النهاية لخص المثنى قراره في منتهى الجرأة، فقال: فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا. كان هذا يمثل انتصاراً مهولاً؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يطارد في مدينته الصغيرة مكة، ومن أهله وأقاربه، وليس معه إلا حفنة قليلة من المضطهدين، وبقية أصحابه في الحبشة، وهو في إجارة رجل كافر، ثم يعرض عليه أن يدافع عنه ضد كل القبائل العربية، والعرض مقدم من قبيلة قوية مثل بني شيبان، ثم الاشتراط الوحيد عدم حرب فارس، كل هذا يجعل العرض منطقياً بل مغرياً،


ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم رفض عرض المثنى بن حارثة وقال في أدب: (ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق) يعني: جميل جداً أنكم قلتم إمكانياتكم بوضوح، بدلاً من أن تتفقوا معي وبعد ذلك تتخلوا عني، ثم قال كلمة في منتهى الروعة، وهي عبارة عن قانون رئيسي في بناء أمة الإسلام، قال: (فإن دين الله عز وجل لن ينصره إلا من أحاطه من جميع جوانبه)، ليس من الممكن أن ينصر الإسلام الذي يختار منه شيئاً ويترك آخر، هذا لا يعرف ما معنى إسلام، ولا يعرف معنى العبودية لله عز وجل، العبد لا ينتقي من كلام سيده ما يعجبه ويوافق هواه.

فرفض الرسول صلى الله عليه وسلم عرضهم؛ لأن هؤلاء ليس هم من سيحملون الدعوة، فهو يريد رجلاً يقول له: إن الله قال لك اعمل كذا، يعمل ويطيع حتى وإن كان عقله لا يستوعب المراد والحكمة المقصودة من ذلك.
ثم قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم في يقين رائع : (أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلاً حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم، ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدسونه؟) يعني: أمة فارس التي تخافون منها ستنهار تحت أقدام المسلمين، ماذا ستعملون حينها، هل ستدخلون في الإسلام؟! قال النعمان بن شريك: اللهم لك ذاك.


ولم يمر على كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من خمس عشرة سنة حتى كانت جيوش المؤمنين تدك حصون فارس، وتزلزل عرش كسرى، والغريب أن المثنى بن حارثة الذي كان خائفاً من كسرى فارس، كان بعد إسلامه أحد القواد الذين أزاحوا كسرى من ملكه، لكن المثنى بعد إسلامه كان شخصاً مختلفاً عما كان عليه قبل الإسلام، وهذه هي عظمة الإسلام.


فشلت المفاوضات، وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم الموضوع ببساطة؛ لأن القواعد في ذهنه واضحة، ويرى كل شيء بوضوح، لا يفرط ولا يتنازل، وليس هناك من يضحك عليه أو يخدعه أو يخوفه صلى الله عليه وسلم، فهو يعلمنا كيف نبني أمتنا.
وتيقنوا أننا من غير هذه القواعد يستحيل علينا أن نبني الأمة، ومن أجل ذلك نحن ندرس السيرة .