السبت، 30 مارس 2013

سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 9- هجرة الحبشة الثانية-5


ج2


لكن عمرو بن العاص لن يغلب بسهولة، وفكر في جولة ثانية مع المسلمين، كانت هذه المرة جولة انتقامية شرسة، في المرة الأولى كان يريد أن يرجعهم إلى مكة، أما بعد الهزيمة أمام جعفر والمسلمين، فلن يكتفي بهذا، بل سيدفع النجاشي إلى قتل المسلمين، والظاهر أن هذا لم يكن الهدف من سفارة قريش، لكن الضربة التي أخذها عمرو بن العاص جعلته يتصرف بطريقة شخصية.

قال عمرو لـعبد الله : والله لأنبأنه غداً عيبهم عنده، ثم أستأصل به خضراءهم! وطريقته هذه في التحدي جعلت عبد الله بن أبي ربيعة يخشاه، وهو الرجل الذي جاء معه، قال: لا تفعل، فإنهم أرحام وإن كانوا قد خالفونا، لكن عمراً مجروح، ورفض بشدة، قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد.

وهذا شيء منكر في الحبشة، أهل الحبشة يتبعون الكنيسة في الإسكندرية، ويعتقدون أن المسيح عليه السلام هو إله تجسد في جسد بشر، تعالى الله عما يصفون!

وهذا يعكس مدى دهاء وثقافة عمرو بن العاص ، فقد كان يعرف رأي المسلمين في عيسى عليه السلام، ويعرف رأي أهل الحبشة فيه، ولديه اطلاع كاف على المعلومات التي يمكن أن يحتاجها في مهمته.

فذهب عمرو في اليوم الثاني إلى النجاشي وقال له: أيها الملك! إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً، فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه، لم يقدر النجاشي أن يتجاهل مثل هذا الأمر، وبالذات في وجود الأساقفة وكبار رجال الدولة، فاضطر أن يرسل إلى المسلمين مرة أخرى

تقول السيدة أم سلمة رضي الله عنها: (ولم ينزل بنا مثلها)، كانت مشكلة خطيرة قد تعصف بالوفد الإسلامي تماماً؛ لأن رأي الوفد في عيسى بن مريم عليهما السلام يتعارض كلياً مع رأي أهل الحبشة، وهم ضعفاء لاجئون، ولا يوجد مكان آخر سيقبل المسلمين في الأرض، وعمرو بن العاص و عبد الله بن أبي ربيعة ينتظران رأي النجاشي فيهم

اجتمع المسلمون في مجلس للشورى قبل أي قرار، وقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ ثم قالوا في منتهى الوضوح: (نقول والله فيه ما قال الله)
يقسمون بالله عز وجل أنهم سيقولون فيه ما قال الله عز وجل.

(نقول والله فيه ما قال الله، وما جاء به نبينا كائناً في ذلك ما هو كائن) هذا قرار خطير في عرف السياسيين، أو انتحار في تصوير السياسيين، لكن المقاييس عند المسلمين مختلفة؛ إذ الفرق ضخم وهائل بين المسلم السياسي الداعية، وبين السياسي الذي ليس له مرجعية من الشرع، المسلم السياسي الداعية له رسالة واضحة، وهي أن يصل بدعوته نقية إلى الناس، وهذه مسألة من مسائل العقيدة،

مسألة: هل ربنا الله عز وجل أم المسيح؟ أما السياسي الذي ليس له مرجعية من الشرع لا تهمه الوسائل، بل يريد أن يصل إلى نتيجة ولو على حساب الشرع أو الأخلاق؛ لأنهم يقولون: الغاية تبرر الوسيلة، لكن الحقيقة أن الموقف عند المسلمين لم يكن فيه أي حيرة، نعم خطير لكنه لم يكن محيراً.

نقول فيه ما قال الله عز وجل كائناً في ذلك ما هو كائن. الموازنة كانت سهلة بالنسبة للمسلمين: لا شيء يقدم على العقيدة. ذهب جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه إلى النجاشي ومن معه من الأساقفة، فقال له النجاشي ما تقولون في عيسى بن مريم؟ وقف جعفر أمام ملك الحبشة في وضع صعب، وأي كلمة فيها خطأ قد تعصف بالوفد الإسلامي كله.

قال جعفر في منتهى الثقة: (نقول فيه الذي جاء به نبينا، نقول: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول)
يعني: مكانة عيسى وأمه عليهما السلام مكانة عالية، لكنهما لا يعدوان أن يكونا بشرين من خلق الله عز وجل.

كان هذا الكلام غير مقبول في أرض الحبشة، لذا انقسم المجلس إلى موقفين: موقف للنجاشي ، وموقف للأساقفة. أما النجاشي فقد كان موقفه مفاجأة كبيرة للمسلمين ولأهل الحبشة وللبطارقة والوزراء، وعمرو بن العاص ، أخذ النجاشي عود نبات من الأرض، وقال: (ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود)
يعني: كلامك صحيح تماماً في وصف المسيح عليه السلام.

أي: أن النجاشي يعترف بعبودية المسيح عليه السلام، وبنبوته، وأنه ليس إلهاً.
وهذا كلام في منتهى الخطورة في الحبشة، لم يعجب الأمر البطارقة، وتناخرت وأصدرت أصواتاً عالية تنم عن الغضب، فصاح النجاشي فيهم في حزم، وقال: (وإن نخرتم والله)

والنجاشي بعد هذا أخذ ثلاثة قرارات في منتهى الخطورة:
القرار الأول: استضافة المسلمين بالحبشة في أعلى صورة من صور تكريم الوفود. وهذا قرار خطير؛ لأنه ليس على هوى كبار الأساقفة، ويحمل احتمال وقوع فتنة داخلية في الحبشة تطيح بملك النجاشي نفسه، لكن هذا القرار كان مما يقتضيه العدل، والنجاشي ملك عادل رحمه الله


القرار الثاني: قطع العلاقات الدبلوماسية مع مكة، فالبلاد التي تؤذي المؤمنين لا يجب أن يعقد معها الصالحون علاقات. .قال النجاشي في وضوح: (ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها)، فخرجا من عنده كما تقول السيدة أم سلمة : (مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به)


القرار الثالث: قرار الإسلام، وهذا أخطر قرار في حياة النجاشي رحمه الله، فقد ترك النصرانية إلى الإسلام وهو على رأس دولة نصرانية متمسكة بنصرانيتها، لكنه رجل عادل لا يضيع حق الله عز وجل في أن يعبد، وعادل في أنه لا يضيع حق المؤمنين في أن يدافع عنهم، وعادل في أنه لا يضيع حق نفسه في أن يؤمن بالله عز وجل


لكن النجاشي رحمه الله لم يعلن إسلامه بل أخفى إسلامه وأظهر النصرانية، ولعل ذلك لأسباب منها: أنه خاف على ملكه أو نفسه، وما معنى إعلان جعفر بن أبي طالب لأمر الدعوة دون مواربة بينما أخفى النجاشي أمر إيمانه؟ الحقيقة أن الموقفين مختلفان؛ لأن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه له وظيفة دعوية، وللنجاشي رحمه الله وظيفة دعوية أخرى مختلفة،

فمن وظيفة جعفر بن أبي طالب كرئيس للوفد الإسلامي أن يعرّف بالإسلام بمنتهى الدقة، كل كلمة من كلمات جعفر رضي الله عنه محسوبة على الإسلام، لا ينفع هنا تورية ولا إخفاء، حتى وإن فقد جعفر حياته بكاملها.

وهذا هو فقه الموازنات. أما النجاشي فهو ليس محسوباً على الإسلام أو المسلمين، ويقاس الأمر بالنسبة للنجاشي من وجهة نظر أخرى، فلو أظهر النجاشي إسلامه لاقتلعه الشعب النصراني لا محالة، ولو خلع سيختفي المكان الآمن الذي يحتفظ بكوكبة المسلمين، كما أن كتم النجاشي لإيمانه سيحتفظ له بمكانه غالباً، ويكون هذا أدعى لحماية المؤمنين

إذاً: وظيفة جعفر الدعوية تقتضي أن يعلن إسلامه بوضوح، بينما وظيفة النجاشي الدعوية تقتضي أن يكتم إسلامه بحذر، وكل ميسر لما خلق له. عاش المسلمون فترة طويلة في رعاية النجاشي رحمه الله، من السنة الخامسة من البعثة -الهجرة الأولى للحبشة- إلى العام السابع من الهجرة النبوية، يعني: حوالي (15) سنة.

تقول السيدة أم سلمة رضي الله عنها: ( وأقمنا عند النجاشي بخير دار مع خير جار )




سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 9- هجرة الحبشة الثانية-4


اجتماع جمع المسلمين ووفد قريش ببلاط النجاشي


ذهب المسلمون للقاء النجاشي في اجتماع مهيب، كان النجاشي وسط الاجتماع ومن حوله الأساقفة والبطارقة والوزراء، وكبار رجال الدولة، وأمامهم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة ومن ورائهم الوفد القرشي الكافر، وجعفر بن أبي طالب ومن ورائه الوفد المسلم.

بدأ الاجتماع الكبير، وافتتح النجاشي هذا الاجتماع بسؤال للمسلمين في منتهى الوضوح والغرابة، قال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من هذه الأمم؟ الغريب في السؤال أن المسلمين ما قالوا للنجاشي أي شيء قبل ذلك عن دينهم، ولا هو سأل،

ولم يتحمس المسلمون للقيام بواجب الدعوة في الحبشة؛ لأن الهدف المرحلي للمسلمين في هذه الفترة هو الحفاظ على الدين ممثلاً في المسلمين، ولأنهم يدركون مدى قوتهم البسيطة، ولم يريدوا أن يفتحوا عليهم جبهات جديدة داخل الحبشة، وآثروا أن يتكتموا أمرهم، ويحافظوا على سريتهم، ويهتموا بالدواعي الأمنية للوفد المسلم على حساب الناحية الدعوية في هذه المرحلة.
وهذا من فقه المرحلة.

فـ النجاشي رحمه الله لم يسأل، واكتفى فقط بمجرد قول المسلمين بأنهم قد ظلموا في بلادهم فلجئوا إليه، أما كيف ظلموا؟ ولماذا؟ لم يسأل.
لكن الوضع في هذا الوقت تغير بالنسبة للنجاشي؛ لأنه ستحدث بينه وبين مكة مشكلة سياسية، ولابد من التحقيق فيها، كما أن الوضع تغير بالنسبة للمسلمين، ولا ينبغي لهم أن يسكتوا في هذا الوقت، فهم الآن يمثلون دين الإسلام، ولو قالوا كلاماً مغايراً للحقيقة قد يفهم الإسلام بصورة خاطئة،

نعم، من الممكن أن يسبب لهم التصريح بالإسلام مشكلة، لكن ليس أمامهم غير هذا، فماذا سيقول جعفر في كلمته أمام النجاشي والوزراء وعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة؟ قال كلمات وكأن الله سبحانه وتعالى هو الذي وضعها على لسان جعفر رضي الله عنه وأرضاه، وبالترتيب الذي قاله قسم جعفر المقالة إلى عدة مقاطع، كل مقطع له غرض معين، ورتبها ترتيبًا جميلاً.

المقطع الأول قال فيه: (أيها الملك! كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعف).

هذه أمور تأنف منها النفوس الكريمة، وفي هذا إشارة واضحة إلى أن عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة ما زالا على هذه الصورة الخبيثة، وهذه الجاهلية التي يتحدث عنها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، ثم إن كل المشاكل التي عرضها جعفر في حال الجاهلية تتعلق بالظلم، إما الظلم مع النفس بعبادة الأصنام: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13]، أو مع الرحم بقطع الأرحام، أو مع الجار بالإساءة إليه، أو مع الضعيف بأكل حقه.

وتخيل أن هذه الصورة تعرض على ملك عادل لا يظلم عنده أحد.
ثم إن النجاشي شعر بالبشاعة التي عليها أهل مكة وعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة.
فكان هذا أول سهم أطلقه جعفر بن أبي طالب في مقتل لقريش.

المقطع الثاني: قال جعفر: (فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه)، يعني: الذي جاء بهذا الدين ليس رجلاً أفاكاً كذاباً يريد خداع الناس، إنما يشهد بصدقه وأمانته وعفافه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مشهوراً بذلك في مكة، ولا ننسى أن النصارى يؤمنون بالرسل بصفة عامة، والإنجيل والتوراة فيهما الحديث عن رسل كثيرين، فالحديث عن الرسل ليس بمستغرب لديهم.
فكان هذا هو السهم الثاني من سهام جعفر رضي الله عنه وأرضاه.

المقطع الثالث: تكلم فيه عن الصورة المضادة للجاهلية، قال: (فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام إلخ.

تقول السيدة أم سلمة رضي الله عنها راوية القصة: (فعدد عليه أمور الإسلام)، يعني: ذكر له أموراً كثيرة من فضائل الإسلام.

أنا أريد منك أن تتخيل موقف النجاشي وهو يسمع هاتين الصورتين المتناقضتين، صورة الإسلام، وصورة الجاهلية، مع العلم أن جعفراً لم يكذب، إنما الحقيقة أن الباطل بطبيعته قبيح مقيت، والإسلام بطبيعته جميل محبوب.. فكان هذا هو السهم الثالث من سهام جعفر رضي الله عنه وأرضاه.

المقطع الرابع: قال جعفر: (فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا). ثم بدأ جعفر يذكر للنجاشي أن عمرو بن العاص وأهل مكة عذبونا لكي نرجع من صورة الإسلام الجميلة إلى صورة الجاهلية المقيتة القبيحة.

قال جعفر بن أبي طالب : (فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث) .. وصورة التعذيب هذه تذكر النصارى بالحواريين الذين عذبوا من قبل، وهم أصحاب عيسى عليه السلام الذين عذبوا بنفس الأساليب البشعة. بعد هذا يمكن القول بأن جعفراً سيطر على مشاعر النجاشي ، بل وعلى مشاعر الأساقفة من حول النجاشي .

المقطع الأخير من البيان المسلم، قال فيه جعفر : (فلما قهرونا وظلمونا، وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك) .

كان كلام جعفر من غير نفاق ولا كذب، فهو يرفع من قيمة النجاشي ، وهو بذلك يكسب قلب النجاشي ..يرفع قيمة العدل عند النجاشي حتى لا يتسرع بعد ذلك النجاشي في حكمه، ولا يجور في قضائه.

وهنا انتهى البيان الإسلامي السياسي المحنك، والنتيجة مثلما ترون خمسة سهام قوية في صدور الكافرين. كان واضحاً أن النجاشي والأساقفة تأثروا بكلام جعفر ، لكن النجاشي عقلية كبيرة، فـجعفر يتكلم عن رسول، و النجاشي يعرف أن كلام الرسل غير كلام الناس، ويريد أن يتأكد، وواضح أن النجاشي بدأ يهتم بأمر هذا الدين الجديد، وهناك احتمال كبير أنه كان يعرف عن رسول سيأتي في ذلك الزمان، كما كان كل أهل الكتاب يعرفون.

كل هذا جعل النجاشي يقول لـجعفر : هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ -يريد أن يسمع- قال جعفر : نعم، وبدأ جعفر رضي الله عنه يبحث عما سيقرؤه من القرآن على النجاشي ومن معه؛ لأن آيات القرآن التي نزلت في مكة كثيرة، لكن الله عز وجل وفق جعفراً إلى اختيار صدر سورة مريم التي تتحدث عن عيسى وزكريا ويحيى عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ..

السورة التي تتحدث عن السيدة مريم ومكانتها في الإسلام، وبدأ جعفر يقرأ آيات القرآن الجميلة على النجاشي ومن معه: (( كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ))  ]مريم:1-7[

ذكريات جميلة تمر على أسماع النصارى، بدأ النصاري يتأثرون وجعفر رضي الله عنه وأرضاه يضرب على الوتر الحساس: (( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا )) ]مريم:16-21[ لم تتحمل قلوب النصارى الكلمات المعجزة حتى بكوا وبكى النجاشي ، وبكت الأساقفة.

لم تقف هدايا عمرو بن العاص حائلاً بين كلام الله عز وجل وبين قلوب السامعين، ولم يكن صعباً على النجاشي أن يأخذ القرار، قال: إن هذا والذي جاء به موسى -وفي رواية: عيسى- ليخرج من مشكاة واحدة.

هذا إقرار بصدق الرسالة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق جعفر ومن معه، ثم التفت إلى عمرو وإلى عبد الله بن أبي ربيعة فقال لهما: انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما أبداً.

كانت هذه الجولة بكاملها في صف المؤمنين، هزم فيها سفيرا قريش هزيمة منكرة في أول تجربة لقريش مع المؤمنين على أرض محايدة، وخرج عمرو بن العاص وهو في منتهى الغيظ والغضب، فقد كانت هذه ضربة قوية لكبرياء عمرو بن العاص داهية العرب في ذلك الوقت، الذي بلغ من العمر (45) سنة، بينما كان عمر جعفر (27) سنة، لكن العملية لم تكن عملية سن، العملية عملية حق، من الذي يدافع عن الحق، ومن الذي يدافع عن الباطل .
 

سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 9- هجرة الحبشة الثانية-3


لقاء عمرو بن العاص بالنجاشي
وطلبه رد المسلمين إليه ورد النجاشي عليه



دخل عمرو على النجاشي، وكان اللقاء حاراً بين الصديقين، ليس هذا فقط، بل أتى له بالهدايا العظيمة وأعطاها له، وأصبح الجو مهيأ للكلام، فالكل أخذ الثمن، والابتسامات على الوجوه، والخطة جارية كما يريد.

كان عمرو شديد الذكاء، واختار كل كلمة بدقة شديدة، وأثرت كلماته مع أنها لم تستمر كثيراً، قال: (أيها الملك! إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء).

وهذه سقطة من عمرو بن العاص وكذبة، فمعظم المهاجرين من الأشراف العقلاء، وليسوا من الغلمان السفهاء، ولكنه سهم يضرب به للتحقير من شأن المسلمين، وفي اعتقاده أن النجاشي لن يقدم كلام الغلمان السفهاء على كلام سفارة قريش الرسمية، كان هذا هو السهم الأول لـ عمرو.

أما السهم الثاني فقال فيه: (فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك).
يعني: لا هم يريدوننا ولا حتى أنت شخصياً يريدونك، هكذا هم في تصوير عمرو بن العاص: لم يراعوا حق الأهل، ولا حق المستضيف لهم.

ثم قال في سهمه الثالث: (وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم؛ لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عيناً).
يعني: أنا مرسل إليك من قبل أشراف ورؤساء وزعماء مكة، وهذه إشارة خفية بالتهديد بقطع العلاقات بين مكة والحبشة، ووقف كل المعاملات الاقتصادية والهدايا والجلود.. هذا أولاً.
ثم ثانياً: هؤلاء الأشراف هم آباؤهم وأعمامهم، يعني: لهم حق الأبوة على هؤلاء، فـ عمرو بن العاص يحاول أن يستثير أخلاق النجاشي لرد هؤلاء الأولاد إلى آبائهم.

وثالثاً: يقول له: أنت ممكن أن تنخدع بحلاوة كلامهم، لكن الذين يعلمونهم حق العلم هم الذين عاشوا معهم فترة طويلة، كما قال عمرو بن العاص: فهم أعلى بهم عيناً.
أي: انتبه ولا تنخدع بكلامهم، فالذين عاشوا معهم ثلاثين وأربعين سنة يقولون لك بأنهم يكذبون ويخدعون، ويقولون كلاماً غير موافق للحقيقة.

إذاً: تكلم عمرو بن العاص بكلمة موجزة ذكية لا تخلو من أدب جم، وكان المطلوب فيها رد المسلمين إلى مكة.
بعدما انتهى عمرو بن العاص من كلامه، وقبل أن يتكلم النجاشي تدخل البطارقة والوزراء وكبار القوم وقالوا: صدقا أيها الملك -أي: عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة - فأسلمهم إليهما، فليرداهم إلى قومهم وبلادهم.

وهؤلاء البطارقة والوزراء قد أخذوا الرشوة، وكان عمرو بن العاص يشعر بسعادة كبيرة، فكل شيء يمشي كما خطط، وكان كل مراده أن يرجع النجاشي إليه المسلمين من غير أن يسمع كلامهم ولا حجتهم؛ لأن عمراً يعرف أن كلام المسلمين جميل ومقنع، وأن معهم أسلحة لا يمكنه مواجهتها، وأهم هذه الأسلحة القرآن الكريم، لكن النجاشي ملك لا يظلم عنده أحد، وليس من العدل أن يحكم في قضية دون أن يستمع إلى الطرف الآخر.
هذه أبسط قواعد العدل في الحكم.


قال النجاشي رداً على عمرو ورداً على البطارقة الموالين والمحبين لـ عمرو: لا والله لا أسلمهم إليهما، ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان -غلمان سفهاء خرجوا عن دين الآباء وفعلوا كذا وكذا- أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني.

ثم بعث للمسلمين الذين علموا بمجيء عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة لاستعادتهم.
اجتمع المسلمون في مجلس سريع للشورى، وقالوا: ما تقولون للنجاشي إذا جئتموه؟ قالوا: نقول: والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا كائناً في ذلك ما هو كائن، {لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} [يونس:64].
كانت الرؤية واضحة تماماً عند المسلمين بلا خوف أو قلق؛ لأن الخوف إنما يكون من ربنا وحسب.

هذا هو الشعور والإحساس الذي كان عند المسلمين، لا يوجد أي نوع من القلق؛ لأنهم سيقولون كلام ربنا سبحانه وتعالى.
ثم اختاروا متحدثاً عنهم هو جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه لأمور:


أولاً: أنه رئيس الوفد، ورئيس الوفد هو الممثل الرسمي للوفد، ومؤكد أنه التقى قبل ذلك بـ النجاشي، وألف الحوار معه.
ثانياً: أنه خطيب مفوه يستطيع أن يوصل كلام المسلمين بأفضل صورة ممكنة.
ثالثاً: أنه من أشرف أشراف الوفد، هاشمي قرشي، وفي هذا رد على كلمة عمرو بن العاص: إنه قد ضوى إلى بلادك غلمان سفهاء.



سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 9- هجرة الحبشة الثانية-2


الهجرة الثانية إلى الحبشة وموقف قريش منها


قد يُعتقد بأن قريشاً ارتاحت لما خرج المؤمنون الخارجون على النظام في مكة، واستقرت الأوضاع بعد ذلك، لكن لا بد أن يحدث الصدام الذي هو سنة من سنن الله عز وجل، حتى لو ترك المؤمنون البلد بالكلية: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة:217] أي: لا تزال قريش وراء المؤمنين في كل مكان في الأرض إلى أن ترجعهم عن الإسلام، فالهدف الأساسي لدى قريش هو تنازل المسلمين عن الدين.



وفد قريش إلى النجاشي


قررت قريش أن تتبع المسلمين في الحبشة، ولما كانت قريش لا تستطيع أن تهاجم الحبشة بجيش؛ لأنها مملكة قوية على مسافة بعيدة، بالإضافة إلى العلاقات الطيبة بين الحبشة ومكة، فبحثت قريش عن حل لا يدفع للقتال، فقررت أن ترسل وفداً يطلب من ملك الحبشة أن يرد المسلمين إليها،


يعني: لجأت إلى المفاوضات السياسية بينها وبين ملك الحبشة، والمهمة صعبة؛ لأن ملك الحبشة مشتهر بين الناس أنه لا يظلم عنده أحد، مما يجعل المهمة تحتاج إلى احتيال كبير، فحاولت قريش بكل طاقتها أن تنجح هذه المهمة، فاختارت على رأس الوفد اثنين من أمكر رجال قريش: عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة وهذان أسلما بعد ذلك، لكن إسلامهما كان متأخراً.


كان عمرو بن العاص مشهوراً بالدهاء والمكر، ويستطيع بذكائه -بحسابات قريش- أن يتصرف مع ملك الحبشة، ليس هذا فحسب، بل هو صديق شخصي له، وفوق كل هذا فأخو عمرو بن العاص وهو هشام بن العاص كان ضمن المهاجرين إلى الحبشة، فالأمر بالنسبة لـ عمرو يعتبر قضية شخصية، وأيضاً مهمة رسمية، وأيضاً أخو عبد الله بن ربيعة عباس بن أبي ربيعة رضي الله عنهما كان من المهاجرين، فاختاروا هذين الرجلين ليقوما بهذه المهمة في منتهى الجدية، وأنفقوا كثيراً على هذه السفارة: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنفال:36]، حملَّت قريش الوفد بالهدايا الثمينة وبالذات الجلود، وهذا نوع من الرشوة للملك ولرجال الحكم في الحبشة.

كان عمرو بن العاص في منتهى الذكاء، فلم يدخل على النجاشي مباشرة، إنما ذهب في البداية إلى البطارقة، وهم يمثلون كبار رجال الحكم والدين الموجودين تحت النجاشي في الحبشة، وحمَّلهم جميعاً بالهدايا العظيمة، وبهذا ضمن وقوفهم معه ضد المسلمين، وتأثيرهم على النجاشي.


الجمعة، 29 مارس 2013

سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 9- هجرة الحبشة الثانية-1


الدرس التاسع هجرة الحبشة الثانية


تمثل الهجرة إلى الحبشة للمرة الثانية في تاريخ المسلمين جولة من جولات الصراع بين الحق والباطل بكل تفاصيلها، فلجوء أهل الإيمان للهجرة إلى مكان آمن، ولحاق أهل الباطل بهم وملاحقتهم لهم من نماذج ذلك الصراع الباقي ببقاء الإسلام والكفر.



الهجرة الثانية إلى الحبشة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس التاسع من دروس السيرة النبوية.


تحدثنا عن الهجرة إلى الحبشة، وكيف هاجر المسلمون، وكيف استقبلوا هناك، ولماذا اختار النبي صلى الله عليه وسلم الحبشة دون غيرها، ثم عن عودة المسلمين إلى الحبشة عندما سمعوا بإشاعة مفادها أن مكة آمنت، ثم اكتشفوا بعد ذلك عدم دقة الخبر، فرجعوا مرة أخرى إلى الحبشة، واشتد التعذيب بأرض مكة للمؤمنين المستضعفين، فهنا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة الثانية إلى الحبشة.

وكان هذا القرار -قرار الهجرة الثانية- أصعب بكثير من القرار الأول لأمور:

أولاً: أن قريشاً أخذت حذرها، وأغلقت أبواب مكة، ووضعت الحراس على كل مخارجها ومداخلها، فأصبح الخروج صعباً.

ثانياً: أن العدد هذه المرة كبير، ففي أول مرة كانوا (14) رجلاً و (3) نسوة، أما الآن فهم قرابة المائة من غير الأطفال والمتاع الذي أخذوه معهم، ولا ننسى أن مكة بلد صغير، فخروج هذا العدد منها يهزها.

ثالثاً: أن فيهم أسماء لامعة في الإسلام ستخرج من داخل بيوت زعماء مكة المشركين، يظهر هذا من قراءة أسماء المهاجرين إلى الحبشة في المرة الثانية، سنجد مثلاً السيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب زعيم زعماء مكة في ذلك الوقت.

وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة أيضاً كان زعيماً كبيراً من زعماء الكفر.. أما سهيل بن عمرو أحد كبار زعماء مكة، والذي كان يقوم بدور المفاوض في صلح الحديبية فقد خرج من بيته ثلاثة من أولاده: سهلة بنت سهيل بن عمرو، وأم كلثوم بنت سهيل بن عمرو، وعبد الله بن سهيل بن عمرو.

وهاجرت أيضاً فاطمة بنت صفوان بن أمية وصفوان بن أمية لم يؤمن إلا بعد فتح مكة.. وهاجر فراس بن النضر بن الحارث، والنضر بن الحارث هو الذي ذهب إلى فارس وعاد يحكي للناس حياة رستم وإسفنديار وحاول أن يبعد الناس عن دين الله عز وجل بكل طريقة ممكنة، ها قد خرج ابنه مهاجراً مع المسلمين إلى الحبشة.

وهاجر هشام بن العاص بن وائل، والعاص بن وائل من أكابر المشركين، ومن الذين نزل القرآن يلعنهم: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} [مريم:77]، وهشام بن العاص أخو عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه، لكن عمرو بن العاص في ذلك الوقت لم يكن قد آمن بعد.

إذاً: خروج هؤلاء وأمثالهم من داخل بيوت أولئك الزعماء سيحدث زلزلة في مكة ولا شك، وسيصاب كل زعيم في كبريائه وذكائه وحكمته وتقديره للأمور والأحداث.

في هذا الجو الصعب، وفي هذه الخلفية المعقدة، أصدر الرسول صلى الله عليه وسلم القرار بالهجرة إلى الحبشة.

كان أمير المهاجرين هذه المرة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، وبدأت عملية من أعقد عمليات المناورة بخطة محكمة؛ فقد درست المداخل والمخارج بعناية شديدة، وتعاون الجميع من الصغار والكبار والرجال والنساء لإنجاح هذه المهمة، وبفضل الله سبحانه وتعالى نجحت العملية، وخرج من مكة مائة أو أكثر -على اختلاف الروايات- من الرجال والنساء والأطفال معهم المتاع والزاد، خرجوا إلى البحر الأحمر وركبوا السفن، واتجهوا إلى الحبشة، ولم ينجح الكفار في الإمساك بأي منهم! {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج:38].

تصوروا موقف الكفار في اليوم الثاني وقد وجدوا مكة المكرمة نقص منها مائة شخص، تخيلوا الفراغ الهائل الذي تركه هؤلاء الصالحون والصالحات وراءهم.
كان المسلمون في غزوة بدر (313)، معنى هذا أنه لا يوجد بيت في مكة إلا وخرج منه ابن أو أخ أو أخت.

بفضل الله وصل المؤمنون إلى الحبشة واستقبلهم النجاشي رحمه الله خير استقبال، وكان كما قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: (ملك لا يظلم عنده أحد)، كان استقباله على نفس المستوى من استقبال الوفد الأول الذي ذهب في هجرة الحبشة الأولى.

لكن هل قبلت قريش بالأمر الواقع، وفكرت في إنهاء الصراع الطويل بينها وبين المؤمنين؟


سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 8- هجرة الحبشة الأولى-8



الوسيلة الأولى: قررت قريش منع المؤمنين من السفر، وقامت بتشديد الحراسة على مخارج مكة، ومطاردة كل من خرج من المؤمنين من مكة، ووضعوا على قائمة الممنوعين من السفر كل من عرف عنه الإيمان أو اشتبه في إيمانه، كل هذا لوقف الهجرة إلى الحبشة، وقد يظن ظان أن المشركين سيكونون سعداء بترك المسلمين في أرض مكة، فلماذا يمنعونهم من الهجرة؟ كانت قريش تفكر بطريقة أخرى.

أولاً: أن المؤمنين اتخذوا من الحبشة موطناً ومحضناً ليربى فيه المسلمون؛ ليعودوا أشد قوة؛ لأن المؤمنين أصحاب قضية، ولن يرضوا بالحياة المستريحة في الحبشة ويتركوا قضيتهم، وكما ذكر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه قد بعث لقومه خاصة وللناس عامة، ولابد أن المؤمنين سيبذلون قصارى جهدهم ليصلوا بهذه الدعوة إلى مشارق الأرض ومغاربها، ولاشك أن مكة ستكون من أهم النقاط في محطة المؤمنين، ولابد أن يرجع المؤمنون إلى أرض مكة.

ثانياً: أن المؤمنين سيغيرون علاقة الحبشة بمكة، ويجعلونها لصالحهم، فأهل الحبشة إذا رأوا أخلاق المؤمنين ونضجهم ونقاءهم، فإنهم سيستنكرون بشدة أفعال الذين عذبوهم، وقد يقطعون علاقاتهم السياسية والاقتصادية بمكة، وهذا فيه ضرر كبير بهم.

ثالثاً: خاف أهل مكة من أن أهل الحبشة يدخلون في الإسلام، ثم يقبلون على مكة بعد ذلك لغزوها، وقريش ليست لها طاقة بحرب دولة الحبشة وجيش الحبشة وملك الحبشة، وليس ببعيد من أهل مكة ما حدث من أبرهة الأشرم وهو مجرد تابع لملك الحبشة كان على منطقة اليمن.

رابعاً: كانت قريش تخشى من انتشار المد الإسلامي في خارجها، فدعوة المسلمين مقنعة، ودينهم قيم، وقرآنهم معجز، ولو تركت لهم حرية الدعوة فلاشك أن أصحاب الفطر السليمة سيدخلون في هذا الدين.

إذاً: فليمنع المسلمون من السفر، ولتحدد إقامتهم في أرض مكة، هكذا فكر أهل الباطل في مكة. هذه كانت وسيلة منع المسلمين من الخروج من مكة.

الوسيلة الثانية التي استخدمها أهل الباطل في مكة قبل ذلك لمنع الدعوة: هي وسيلة التعذيب الشديد من جديد، وسيلة العاجز الضعيف المهزوم، والانتكاسة البشعة في الإنسانية، انقلبوا على كل من بقي من المسلمين في أرض مكة يعذبونهم، ولم يستطع حمزة و عمر رضي الله عنهما كأفراد أن يقوموا بحماية المؤمنين من هذه الحرب القرشية المنظمة في هذا الموقف العصيب، وتحت هذا الضغط القرشي الظالم، وخوفاً من استئصال عامة المسلمين في لحظات الغضب والتهور غير المحسوب وغير المدروس،

في هذا الموقف الصعب أصدر رسول الله صلى الله عليه وسلم قراره بالهجرة مرة ثانية إلى أرض الحبشة، المرة الأولى هاجر (10) رجال و(4) نساء ثم عادوا إلى مكة، ثم عاد بعضهم إلى الحبشة من جديد، أما في هذه المرة فقد صدرت الأوامر بهجرة أكثر من (80) رجلاً مسلماً أو (82) أو (83) وكان فيهم عمار بن ياسر، وهاجر أيضاً: (18) امرأة (11) قرشية و(7) غير قرشيات، هذا غير الأطفال.

فالرسول صلى الله عليه وسلم كقائد مسئول له أهداف واضحة ومحددة، والرؤيا عنده واضحة، فهو يتحرك بمرونة سياسية وفقهية عالية، الأهداف واضحة، والدعوة لابد أن تصل إلى عموم الناس، والدعوة لن تصل إلى الناس إلا عن طريق الدعاة، والدعاة وصلوا إلى مرحلة من الإيذاء يصعب معها استمرار الدعوة.

إذاً: فليكن القرار الحاسم الجريء في الوقت المناسب هجرة أكثر من 80 مسلماً، وهو ما يمثل نصف الطاقة الإسلامية تقريباً في ذلك الوقت، وهو قرار إستراتيجي خطير، موازنة بين الهجرة وترك الديار ونقل ميدان العمل إلى الحبشة، وبين البقاء في مكة واستمرار الدعوة، مع التضييق الشديد الذي تمارسه قريش، موازنة قد ينفعل الشباب ويقولون: نبقى مهما كانت النتائج، ولو أدى ذلك إلى الموت، فهذا موت في سبيل الله،


لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم القائد السياسي المحنك والداعية الحكيم يعلم أن الأمور لا تسير بهذه الطريقة، فالله عز وجل خلق النبات الضعيف ليناً طرياً مرناً، فمع الريح الشديدة يميل النبات حتى لا ينكسر، ثم عندما يشتد عود النبات ويصبح شجرة راسخة لها جذور عميقة؛ فإنها لا تميل أمام الريح الشديدة، بل تظل ثابتة وتمر الرياح مهما اشتدت قوتها من حولها، هكذا المؤمن الفقيه.

أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم القرار الجريء، وكان هذا القرار أصعب مائة مرة من قرار الهجرة الأولى، لماذا كان هذا القرار صعباً؟ وماذا فعل المسلمون في طريقهم من مكة إلى الحبشة في هجرتهم الثانية؟ وكيف استقبلهم النجاشي رحمه الله؟ وماذا كان رد فعل أهل مكة عندما علموا بهذه الهجرة الكبيرة إلى أرض الحبشة؟ وما هي الدروس العظيمة المستفادة من هذه الهجرة العظيمة الثانية إلى الحبشة؟ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ]غافر:44[ وجزاكم الله خيراً كثيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


 

سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 8- هجرة الحبشة الأولى-7


قرار عودة المهاجرين من الحبشة إلى مكة
والآثار المترتبة على ذلك



وصل إلى أسماع المسلمين في الحبشة أن مكة قد آمنت ودخل أهلها في الإسلام، قالوا: لقد آمن حمزة وعمر رضي الله عنهما، وظهر المسلمون، وصاروا أعزة، ثم سجد المشركون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إيماناً بما يقول، وقد أصبحت مكة الآن مسلمة، فما الفائدة من البقاء في الحبشة بعد إيمان مكة؟ كيف حدث هذا الخطأ عند المسلمين في أرض الحبشة؟ لابد أنه وقع خطأ في نقل الأخبار من مكة إلى الحبشة أو خطأ في فهم الخبر الصحيح، ولكن في الحالتين ترتب على هذا الخطأ إرهاق شديد جداً للمسلمين في الحبشة.

لقد قرر المسلمون أن يعودوا إلى مكة، وذلك بعد إشاعة غير صحيحة جاءت من مكة إلى الحبشة، كم من الأثمان يدفعها المسلمون ثمناً للشائعات، وكم من الوقت والمجهود والمال يضيع جراء الشائعات، وعلى المسلمين دائماً أن يتبينوا قبل أخذ القرار، وفي اعتقادي أنه كان يجدر بالمهاجرين أن يرسلوا رسولاً واحداً منهم إلى مكة ليستوثق من الخبر، قبل أن يجمعوا أنفسهم ونساءهم وأطفالهم ويعودوا هذا المشوار الطويل المرهق عبر البحار والصحاري، أو أن ينتظروا رسالة واضحة من قائدهم المحنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان سيرسل إليهم حتماً بالخبر لو أن مكة آمنت فعلاً، وأن المصلحة في أن يعودوا إلى مكة، لكن هذا لم يحدث،

وعاد المسلمون وركبوا البحر لمسافات طويلة، وجاءوا إلى مكة وقلوبهم ترقص من الفرحة، ثم كانت الصدمة القاسية، لقد اكتشفوا أن الخبر كان مجرد إشاعة! مر المسلمون بمعاناة كبيرة بسبب هذه العودة، لكن بفضل الله كان المسلمون على حذر كافٍ عندما اقتربوا من مكة، فقد انتظروا إلى الليل، ووقفوا خارج مكة، وأرسلوا رسولاً، وجاء لهم بالخبر أن أهل مكة ما زالوا مشركين، نعم، مشكلة ضخمة، لكن اجتمع المسلمون وعقدوا مجلساً للشورى، وخرجوا من اجتماعهم بثلاث توصيات، واستقروا على أن يقسموا عليهم هذه التوصيات الثلاث.

التوصية الأولى: أن يعود غالبيتهم مرة ثانية إلى الحبشة دون دخول مكة.
وهذا أمر شاق على النفس، ولكنه سيكون أكثر أمناً.

التوصية الثانية: أن يدخل بعض المسلمين إلى مكة سراً متخفين لقضاء بعض المصالح لهم ولبقية المهاجرين، ثم العودة بعد ذلك إلى الحبشة، ومفهوم ذلك أنهم لن يبقوا في أرض مكة إلا فترة بسيطة؛ لأن مكة مدينة صغيرة ومن المستحيل أن يختبئ فيها رجل عن عيون الناس لفترة طويلة.

التوصية الثالثة: أن يدخل بعضهم إلى أرض مكة جهاراً ولكن في جوار واضح وحماية معلنة، حتى لا يعرض للقتل أو للتعذيب الشديد، وهؤلاء سوف يشرحون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحوال الحبشة، ويتبادلون الخبرة مع مؤمني مكة بخصوص أمر الهجرة.

وتم بالفعل هذا الاتفاق وعاد الغالبية إلى الحبشة دون دخول مكة، ودخل بعضهم مكة سراً ثم عادوا بعد ذلك إلى الحبشة ودخل بعضهم مكة في وضوح، أما الذين دخلوا مكة في إعلان فكان عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه وزوجته السيدة رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعثمان بن مظعون رضي الله عنهم، فدخل عثمان بن عفان الأموي في حماية قبيلته القوية بني أمية، أما عثمان بن مظعون فقد دخل في جوار الوليد بن المغيرة المشرك وهو من قبيلة بني مخزوم، وذلك لأن قبيلة عثمان بن مظعون بنو جمح وكانت من أشد القبائل محاربة له شخصياً، وكان من أشدهم عليه أمية بن خلف الجمحي لعنه الله.

فدخل عثمان بن مظعون في إجارة الوليد بن المغيرة، وكانت إجارة غير مشروطة، وقد قلنا بأن المشركين قد رفعوا أيديهم نسبياً عن المسلمين بعد إسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما، ولكن جدت أمور جعلت المشركين ينشطون من جديد لتعذيب المسلمين.

أولاً: أن سجود المشركين في الكعبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب بلبلة في أرض مكة، ومن كان متردداً في الإيمان فلابد أن يفكر الآن بجدية، وبالذات في ظل الحماية المادية والمعنوية التي يقدمها فارسا قريش حمزة وعمر رضي الله عنهما؛ لذلك فكرت قريش في إعادة البطش والتعذيب لمنع المد الإسلامي الجارف في مكة.

ثانياً: وصلت إلى مكة أنباء الاستقبال الحافل والكريم الذي قدمه النجاشي للمهاجرين المسلمين، وهذا رفع من معنويات المسلمين من ناحية وأحبط معنويات الكفار من ناحية أخرى، فمشركو مكة كانت لهم علاقات تجارية وصداقة مع النجاشي، ولاشك أن هذه الأمور قد تتأثر بالصداقة والوفاق الجديد مع المسلمين، لهذا قررت مكة أن تنشط في مواجهة الدعوة، فماذا فعلت؟



سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 8- هجرة الحبشة الأولى-6


قصة إسلام حمزة وعمر
وسجود المشركين لآية سورة النجم
وأثر ذلك على المسلمين في مكة والحبشة



بعد الهجرة الأولى إلى الحبشة حدثت في مكة أمور عظام في ظاهرها بسيطة، ولكنها محطات تغيير هامة ليس في أوضاع مكة فقط، بل في خريطة العالم.
مما حدث في مكة:


أولاً: آمن حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وأرضاه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثانياً: بعده بثلاثة أيام فقط آمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه.
وستحمل الأيام مفاجآت عظيمة لأهل الأرض جميعاً، سيرون كيف أن هذا الرجل البسيط عمر الذي آمن في هذه البلدة الصغيرة مكة سيقود جيوش المؤمنين ليكسر شوكتي فارس والروم، وليوحد أطراف العالم في خلافة واحدة، آمن الفاروق في مكة فحدثت تغييرات جذرية في سياسة المؤمنين، منها ما يتعلق بقضية الهجرة إلى الحبشة،

آمن عمر بن الخطاب فظهر الإسلام في مكة، وأعلن كثير من المسلمين إسلامهم، بعد أن أذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: مازلنا أعزة منذ أسلم عمر رضي الله عنه وأرضاه، وقلّ إلى حد كبير التعذيب الوحشي الذي كانت تقوم به قريش للمؤمنين،


وعاش المسلمون في مكة لحظات عظيمة من السعادة التي لم تمر بهم منذ زمن طويل، سعادة بإسلام البطلين العظيمين الجليلين: حمزة بن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وسعادة بإحساس الأمان النسبي الذي شعر به المسلمون للمرة الأولى منذ أكثر من خمس سنوات، وسعادة بشعور العزة والفخر بهذا الدين وباتباعه.

طارت أنباء هذه السعادة إلى الحبشة، وتواصلت قلوب المؤمنين في الحبشة مع قلوب المؤمنين في مكة وشعروا بنفس السعادة، وشعروا فوقها بسعادة العودة إلى أرض الوطن وإلى أرض الأجداد والعشيرة وإلى البيت الحرام، شعر المسلمون أن وقت العودة إلى مكة سيكون قريباً إن شاء الله.

تزامن مع حدث إسلام البطلين حمزة وعمر رضي الله عنهما حدث آخر عجيب تم في مكة في ساحة البيت الحرام في رمضان من السنة الخامسة من البعثة، كان من أسلوب الكافرين لمنع الناس من التأثر بكلام الله عز وجل أن يمنعوا أنفسهم من السماع أصلاً؛ لأنهم يعلمون أنه لو سمع أحدهم القرآن فقد يؤمن به: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت:26]،

كانت هذه هي سياستهم، ولكن في رمضان من السنة الخامسة من البعثة حدث هذا الموقف الغريب: كان المشركون مجتمعين في البيت الحرام، وكان معهم المؤمنون أيضاً، وكان معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقف في وسط الناس وبدأ يقرأ سورة من سور القرآن الكريم تلاوة عليهم، وهي سورة النجم كاملة: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} [النجم:1 - 12].

فانبهر المشركون بروعة الكلمات والآيات، وبالكلام العجيب الذي لا يقدر عليه بشر، ولم يحركوا ساكناً، نزلت الآيات كالقوارع على قلوبهم، خرست الألسنة، وتسمرت الأقدام، وتعلقت العيون برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يكمل القراءة بصوته العذب، بل بدأ يقرأ آيات تسفه أصنام قريش وآلهتهم المزعومة {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم:19 - 23].

ومع أن الآيات تهين آلهة قريش وتحقر من شأنها إلا أن المشركين لم ينطقوا بكلمة، بل ظلوا يستمعون القرآن وقد انبهروا انبهاراً كاملاً، وأكمل رسول الله صلى الله عليه وسلم السورة بكاملها إلى أن وصل إلى آخرها، حتى قرأ آية السجدة: أَزِفَتِ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ]النجم:57-62[،

ثم سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد المؤمنون، لكن المفاجأة الكبرى أن المشركين أيضاً لم يستطيعوا أن يمنعوا أنفسهم من السجود لله رب العالمين، فسجدوا جميعاً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد طارت قلوبهم وذهلت عقولهم، ثم قاموا بعد السجود وقد أرعبتهم المفاجأة، ماذا فعلنا؟


لقد لمس الإيمان قلوبهم لحظة، ثم نكسوا على رءوسهم، وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ] النمل:14[ اجتمع المشركون في مكة ممن لم يحضر المشهد في البيت الحرام، وأخذوا في إلقاء اللوم والتأنيب على المشركين الذين سجدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسقط في يد المشركين، ماذا يفعلون؟

ثم غلب عليهم شيطانهم وأوحى إليهم أن يفتروا الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبماذا كذبوا؟ لقد أشاعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قرأ آيات معينة تعظم من شأن اللات والعزى، ولذلك لما جاءت آية السجود سجدوا تعظيماً لآلهتهم، افتروا هذه الفرية؛ ليخرجوا بها من الإيمان الذي دخل قلوبهم رغماً عن أنوفهم .



سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 8- هجرة الحبشة الأولى-5


وقفات مع الهجرة إلى الحبشة


أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم (14) مؤمناً أن يهاجروا إلى الحبشة: (10) رجال و (4) نساء هن زوجات، كانت هذه هي الطليعة الأولى من المهاجرين، وأنا أريد أن أقف وقفتين في غاية الأهمية عند هذا الموقف.


الوقفة الأولى: من أول من هاجر من المسلمين؟ أسماؤهم تحتاج إلى وقفة طويلة، فالأول: هو عثمان بن عفان الأموي رضي الله عنه وأرضاه وزوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يا له من موقف، أعمق وسيلة من وسائل التربية هي وسيلة التربية بالقدوة، لقد أصدر رسول الله صلى الله عليه وسلم أوامره بالهجرة وترك الديار، ثم لم يعزل نفسه صلى الله عليه وسلم عن الأذى من هذه الهجرة، فها هي ابنته السيدة رقية حبيبة قلبه صلى الله عليه وسلم تهاجر إلى الحبشة مع المهاجرين، بل تسبق المهاجرين، ويذوق ألم الفراق كما يذوقه أصحابه من المؤمنين، من المستحيل أن يتأثر الجنود بقائدهم إلا إذا شعروا أنه معهم في خندقهم، ما أسهل أن تأمر بالتقشف والهجرة، بل والموت، لكن كل ذلك لا يؤثر في أحد إلا إذا قرن بعمل التربية القدوة.

رسالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كل قائد: إذا أردت أن تملك قلوب شعبك وأتباعك فانزل إليهم وعش معهم وخالطهم، افرح بما يفرحون به، وتألم مما يتألمون منه، شاركهم في طعامهم وشرابهم وسفرهم وسعيهم وقتالهم، عندئذ اعلم أنك امتلكت قلوبهم.

الاسم الثاني في هذه الهجرة كان أيضاً من بيت الرسول صلى الله عليه وسلم: إنه جعفر بن أبي طالب الهاشمي القرشي رضي الله عنه وأرضاه، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، هاجر هو وزوجته السيدة أسماء بنت عميس رضي الله عنها.
وكذلك بقية الأسماء معظمهم من أصحاب الشرف والمكانة والمنعة مثل: عبد الرحمن بن عوف من بني زهرة.
والزبير بن العوام من بني أسد.
وأبو سلمة بن عبد الأسد من بني مخزوم.
وأبو حذيفة بن عتبة من بني عبد شمس.
ومصعب بن عمير من بني عبد الدار، وهكذا معظم المهاجرين من أشراف مكة.


الوقفة الثانية: أن المسلمين أخذوا بكل الأسباب الممكنة لضمان نجاح عملية الهجرة، لم يقولوا: نتوكل على الله عز وجل وندعوه، ثم نسلم أمرنا بغير إعداد، لا، بل أخذوا بكل الأسباب التي في أيديهم.

أولاً: خرج المسلمون في سرّية كاملة ولم يعلموا أحداً أبداً بهجرتهم.
ثانياً: لم يخرجوا مجموعة واحدة، بل خرجوا متفرقين حتى لا يلفتوا الأنظار إليهم.
ثالثاً: لضمان عدم الاختلاف ولتوحيد الصف اختار لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أميراً من أنفسهم، اختار لهم عثمان بن مظعون رضي الله عنه وأرضاه من بني جمح.
رابعاً: التنوع الملموس من قبائل مكة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أخرج من كل قبيلة رجلاً، وبذلك لا تستطيع مكة أن تتحزب ضد قبيلة معينة، لقد اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل قبيلة واحداً،


فأصبح الموقف صعباً على أهل مكة، كما أنه من الناحية الأخرى سوف يكون لهذا الوفد تأثير واضح على ملك الحبشة، فهذا الوفد المكون من خليط من قبائل مكة كأنه سفارة رسمية تمثل شعب مكة، لا يخطر أبداً على ذهن النجاشي أن هذه حركة قبائلية بحتة، بل هي دعوة دينية أخلاقية لا تفرق بين قبيلة أو أخرى، وهذا سيكون أدعى لرد كيد قريش إذا حاولت أن تكيد للمسلمين عند ملك الحبشة.

في هذه الهجرة أخذ صلى الله عليه وسلم بكل الأسباب المادية وفي كل أموره، حتى يعلمنا كيف نسير على دربه وعلى طريقه صلى الله عليه وسلم.

خرج المؤمنون من مكة خفية، واجتمعوا عند ساحل البحر، ولكن مع كل هذا استطاع أهل مكة أن يعرفوا وجهتهم وأن يلحقوا بهم؛ فحرب الحق والباطل ليس لها نهاية إلى يوم القيامة، هنا كان من الممكن أن تجهض محاولة الهجرة، ولكن المسلمون ابتهلوا إلى الله عز وجل أن ينجيهم مما لحق بهم، في هذه اللحظة وجدوا سفينتين في البحر متجهتين إلى الحبشة فركب المسلمون في إحداهما، وانطلقوا باسم الله في وسط البحر، ولم يستطع المشركون أن يلحقوا بهم.

لقد استنفد المسلمون الوسع، وأخذوا بكامل الأسباب، ولكن المشركون لحقوهم؛ ليلجأ المسلمون إلى الله عز وجل، وليعلموا أن الأخذ بالأسباب لا ينفع إلا إذا أراد الله عز وجل، وليدركوا حق الإدراك أن الكون بيد الله عز وجل يصرفه كيف يشاء.

وصل المسلمون بأمان إلى الحبشة، وكما توقع رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبلهم النجاشي خير استقبال، وجلسوا عنده في أكرم حال، ولم يلقوا عنتاً ولا إيذاء ولا مشقة.



سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 8- هجرة الحبشة الأولى-4


أسباب ومزايا 
اختيار الحبشة دون غيرها للهجرة إليها



لماذا اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم الحبشة بالذات ليهاجر إليها المسلمون؟ لاشك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد فكر كثيراً في المكان الذي يمكن أن يرسل إليه المسلمين، ولعل أقرب الأماكن إلى الذهن هو أن يرسلهم إلى مكان في الجزيرة العربية عند قبيلة من القبائل، فقد كانت هناك تجمعات قبلية كبيرة وكثيفة وكثيرة في جزيرة العرب، هناك ثقيف في الطائف، وهوازن في حنين، وبنو حنيفة في شرق الجزيرة، وعبس وذبيان في شمال المدينة وغيرها كثير، وهذه القبائل تتميز بكونها تعيش في ظروف مقاربة جداً لظروف المسلمين في مكة، ولن يشعر المسلمون بتغير كبير في طبيعة الحياة، كما أنهم يتكلمون العربية، بالإضافة إلى قرب المسافة،


فإذا احتاج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين قدموا سريعاً، هذه كلها مزايا موجودة في هذه القبائل، لكن هذه القبائل كانت كلها مشركة، وإن لم تعلن العداء السافر للمسلمين، إلا أنها كلها تكنُّ قدراً عظيماً جداً من الاحترام لقريش، ولاشك أن القرشيين لو طلبوا المسلمين ما ترددت هذه القبائل في دفعهم للكفار من أهل مكة.


إذاً: اختيار القبائل المحيطة بمكة في جزيرة العرب لم يكن اختياراً سليماً، ولعله صلى الله عليه وسلم أيضاً فكر في يثرب التي أصبحت بعد ذلك المدينة المنورة، لكن يثرب في هذه الآونة لم يكن فيها مسلم واحد، كما أنها بلد متقلب بسبب الحروب بين الأوس والخزرج، كما أن اليهود يسكنون منذ زمن في هذه البلاد، وتاريخ اليهود لا يبشر بأي خير.

ولعله صلى الله عليه وسلم قد فكر في العراق حيث القبائل العربية الكثيرة التي تعيش في هذه المناطق، مثل: بني شيبان، ولكن هذه القبائل بالإضافة إلى كونها جميعاً مشركة فإنها على ولاء شديد وتحالف مع الفرس، وعادة ما يكره الملوك الدعوات الإصلاحية، فلن يرحب كسرى فارس بهذا القدوم للمسلمين.

ولعل الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً قد فكر في الشام أيضاً فهناك قبائل عربية تعيش فيها، مثل: قبائل الغساسنة، لكنها على الجانب الآخر موالية للروم، ولن ترحب أيضاً باستقبال هذه الدعوة الجديدة، ولعله أيضاً قد فكر في مصر، لكن مصر برغم أن بها ملكاً معتدلاً وهو المقوقس إلا أنها محتلة من الرومان، ولا تملك في ذلك الوقت من أمرها شيئاً.

ولعله أيضاً صلى الله عليه وسلم قد فكر في اليمن، لكنها كانت محتلة من قبل فارس، ولن يقبل الفرس بقدوم المسلمين، لاشك أنه صلى الله عليه وسلم فكر في كل هذه الأماكن؛ لأنها قريبة ومنطقية وغالبها عربي باستثناء مصر، لكنه صلى الله عليه وسلم لم يجدها مناسبة؛ لذا جال وبرز في ذهنه صلى الله عليه وسلم الاختيار الأخير، والذي يبدو عجيباً في نظر الكثيرين حتى في نظر المعاصرين له صلى الله عليه وسلم، وهذا الاختيار هو الحبشة.

لقد كان اختيار الحبشة عجيباً، وإن دل على شيء فإنما يدل على سعة اطلاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى حكمته في نفس الوقت، والحبشة وإن كان بها بعض العيوب الملموسة إلا أن مزايا الاختيار تفوق عيوبها.

من عيوب الحبشة: أنها بعيدة عن مكة، وهذا يصعب الاتصال والمراسلات بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين مجموعة المهاجرين.
أيضاً: اختلاف اللغة، فهي مختلفة بالكلية عن اللغة العربية.
كما أن العادات والطبائع لأهل الحبشة مختلفة كثيراً عن عادات العرب، مما قد يؤدي إلى الصعوبة النسبية في الحياة هناك، لكن لها مزايا.

الميزة الأولى: كان الحاكم في الحبشة عادلاً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (لو خرجتم إلى الحبشة؛ فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد)، لم يعلق الرسول صلى الله عليه وسلم على شيء في حياة الرجل ولا دينه، ولكن علق على عدله، ما حدث للمسلمين في مكة كان نتيجة ظلم بين من أهل مكة، لكن ملك الحبشة النجاشي رحمه الله كان عادلاً، وهو بذلك يحفظ حقوق الآخرين بغض النظر عن ديانتهم أو حبهم أو كراهيتهم، فالعدل أساس من أسس الحكم، وبغيره لا تستقيم الدنيا والآخرة.

فكان من سعة الأفق للرسول صلى الله عليه وسلم وشمول النظرة وعمق الفكر أن اختار البلد الذي يحكمه حاكم عادل، فضمن بذلك حماية لأصحابه، وهو درس للدعاة أن يستفيدوا من الذين يتصفون بالعدل من الناس، وأن يطلعوا على أحوال البلاد المحيطة بهم، حتى زمن الاستضعاف، فقد يكون من الفائدة أن يستعينوا برجل من أمثال هؤلاء وإن اختلف دينه عن دينهم.
هذه كانت الميزة الرئيسية في أرض الحبشة.

الميزة الثانية: يعيش في أرض الحبشة نصارى، والمسلمون كانوا يشعرون بقرب إلى النصارى، فهم أهل كتاب أيضاً، وظهر ذلك واضحاً من تعاطف المسلمين مع الروم في حربهم ضد فارس الوثنية، وشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون أن قلوب النصارى ستكون أقرب إلى الدعوة من غيرهم، وقد نزل القرآن بعد ذلك بسنوات عديدة ليؤكد على هذا المعنى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى (المائدة:82) ،


وللأسف فإن معظم النصارى في أرض الحبشة في ذلك الوقت كانت لهم اعتقادات منحرفة نتيجة التحريف في التوراة والإنجيل، ولكن بعضهم كان ما يزال صحيح الاعتقاد، ومن هؤلاء النجاشي رحمه الله، وهذا أفاد كثيراً كما سنرى في التعامل مع المهاجرين المسلمين.

الميزة الثالثة: أن الحبشة بلد بعيد عن مكة، ومع أن هذا يعتبر عيباً من كونه يصعب الاتصال بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين المهاجرين، إلا أنه في ذات الوقت يوفر جانباً من الأمان للمهاجرين، فهم بعيدون عن أهل الباطل في مكة.

الميزة الرابعة: أن الحبشة بلد مستقل ليس لأحد عليه سلطان، نعم هو يتبع الكنسية المصرية في الإسكندرية لكن هذه تبعية دينية وليست سياسية، فليس هناك خطورة من أن يملي قيصر الروم أو كسرى فارس.. أو غيرهما رأياً على أهل الحبشة.


الميزة الخامسة: أن الحبشة بلد قوي في المنطقة، وأهل مكة كانوا يعظمون هذا الملك جداً، وكان بينهم وبينه سفارات ومراسلات وهدايا، وهذا قد يكون عيباً لولا أن ملك الحبشة يتصف بالعدل، فكونه يتصف بالقوة والعظمة مع العدل فهذا يوفر حماية أكيدة للمهاجرين، وقريش من المستحيل أن تفكر في غزو الحبشة لمطاردة المهاجرين كما فعلت بعد ذلك في المدينة في غزوة الأحزاب؛ لأن عوامل قوة الحبشة وقوة الملك وبعد المسافة والبحر تحول دون هذا التفكير،

وأقصى ما يمكن أن تفعله قريش هو أن ترسل سفارة رسمية تطلب المهاجرين، فإن كان الملك عادلاً، فإنه ولاشك سيرفض تسليم زواره وضيوفه.

الميزة السادسة: أن الحبشة بلد تجاري وعنده قوة اقتصادية معقولة في ذلك الوقت، ولا يخشى عليه من حدوث أزمات اقتصاديه نتيجة قدوم المهاجرين، وهذا ولاشك سيوفر للمؤمنين أماناً واستقراراً، وفي نفس الوقت لا يغير من نفسيات أهل الحبشة، فلن يشعروا بأزمة تذكر نتيجة هجرة المسلمين إليهم.

لهذه الأسباب مجتمعة كان اختيار الحبشة اختياراً موفقاً، وبدأ المهاجرون بالفعل يتجهون إلى هناك ليبدأ ما يسمى في السيرة بالهجرة الأولى إلى الحبشة .



سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 8- هجرة الحبشة الأولى-3


سبب هجرة أشراف مكة من الصحابة إلى الحبشة


نقول: لماذا هاجر الأشراف دون البسطاء؟

أولاً: هذا أدعى لحماية المهاجرين، فأمر الهجرة أمر خطير، قد تطارد مكة فوج المهاجرين، بل بالتأكيد ستطاردهم، وفي لحظات الغضب والغيظ قد يتهور أهل مكة ويقتلون المهاجرين المطاردين، وبالذات لو كانوا من العبيد، أما إذا كانوا من الأشراف فإن عملية الهجرة ستصبح أقل خطورة، حيث إنه لو تم الإمساك بهم فسيحملونهم إلى مكة، ولن يفكروا في قتلهم لقوة قبائلهم.

ثانياً: أن الأشراف أقدر على التأثير في أهل البلد الذي سيهاجرون إليه؛ لأن من طبائع البشر أنه إذا تكلم الشريف سمعوا له وأنصتوا، وإذا تكلم الضعيف لم ينتبه له، والغرض هو إيصال كلمات الدعوة إلى آذان البلد المضيف، وعرض الأمر بأفضل الصور، وسيستقبل المهاجرون في هذه الحالة على أنهم وفد سياسي محترم معارض لسياسة مكة، بدلاً من أن يستقبلوا كمجموعة من العبيد الآبقين من أسيادهم.

ثالثاً: هجرة الأشراف ستؤدي إلى هزة اجتماعية خطيرة في مكة، ستفيق أهل مكة على خطورة أفعالهم، فهؤلاء المؤمنون المطاردون هم من خيرة أهل البلد، ومن أكثر الناس سعياً لإصلاحها، ومن أعرق البيوت، ومن أشرف الناس، وها هم يغادرون البلد؛ لأنهم لم يجدوا فيها أماناً، ما أبشع فعل أهل الباطل، وما أشنع جريمتهم، أهؤلاء هم الذين يطردون؟ أهؤلاء هم الذين يفتنون في دينهم؟ فهجرة الأشراف ستكون صدمة لأهل مكة قد ينتبهون على أثرها إلى خطئهم الفادح في حق المهاجرين وفي حق بلدهم، أما إذا هاجر المستضعفون فلا ضير، أليسوا عبيداً تركوا البلد؟ فلنأت بعبيد آخرين، هكذا سيفكر الطغاة، إذ ليس هناك اعتبار للآدمية أو الإنسانية.

إذاً: الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدفع المشركين دفعاً إلى تحريك عواطفهم وقلوبهم؛ لإدراك مدى الجريمة التي يفعلونها مع المؤمنين في صدهم عن دين الله عز وجل، لهذه الأسباب هاجر الأشراف ولم يهاجر الضعفاء.
إذاً: الملاحظة الأولى: هي هجرة الأشراف، والتي تشير إلى أن الهدف الأول من الهجرة لم يكن حماية الأرواح ولكن حماية الدعوة والدين.







سبب مكث المهاجرين في الحبشة إلى ما بعد
هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة



متى عاد المهاجرون من الحبشة إلى الصف المسلم من جديد في فترة مكة أم في فترة المدينة؟ مكث المهاجرون في الحبشة مدة تزيد على (15) سنة متتالية، كانت هجرتهم الأولى إلى الحبشة في العام الخامس من البعثة في شهر رجب ثم عادوا سريعاً إلى مكة بعد ثلاثة أشهر، ثم هاجروا من جديد هجرتهم الثانية إلى الحبشة في السنة السابعة، ولكنهم مكثوا في الهجرة الثانية طويلاً، ولم يرجعوا إلا بعد غزوة خيبر.


مرت أحداث في غاية الأهمية والخطورة على المسلمين في بناء الأمة الإسلامية، ومع ذلك لم يرجع المهاجرون من الحبشة، ولم يكن هذا اجتهاداً شخصياً من المهاجرين، بل كان بأمر من قيادة المسلمين المتمثلة آنذاك في رسول الله صلى الله عليه وسلم، مرت الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة، ومر تأسيس الدولة الإسلامية، وكان البناء صعباً، وكان عدد المسلمين قليلاً، والعدد في الحبشة كبيراً تجاوز الثمانين، وهم قوة لا يستهان بها، فعدد المهاجرين في غزوة بدر كان نفس عدد المهاجرين إلى الحبشة، ومع ذلك لم يطلبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، مرت الغزوات العظام بدر ثم بنو قينقاع ثم أحد ثم بنو النضير ثم الأحزاب ثم بنو قريظة، ثم الحدث الكبير العظيم الهام وهو صلح الحديبية.

وبعد صلح الحديبية أمن المسلمون على أنفسهم، وأصبحت لهم دولة لها كيان محترم تعقد به الأحلاف والمعاهدات على أعلى مستوى، يرهب جانبها ويحترم رأيها، فهنا شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أصبح من الصعب استئصال المسلمين، لقد كان ممكناً في أي لحظة قبل صلح الحديبية أن يستأصل المسلمون، وأقرب مثال على هذا غزوة الأحزاب؛ حيث أراد الكفار الإنهاء الجذري للإسلام في المدينة، لكن الله عز وجل كتب النصر للمؤمنين، حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (الآن نغزوهم ولا يغزونا).


عندما شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأول لحظات الأمان في المدينة أرسل في طلب المهاجرين في الحبشة، أرسل إليهم عمرو بن أمية رضي الله عنه وأرضاه، فجاءوا في العام السابع من الهجرة بعد فتح خيبر.


كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعامل مع الأمور بحكمة سياسية رائعة، كان يحافظ على نواة للمسلمين هناك في مكان آخر بعيد مثل الحبشة، فإذا هلك المسلمون في المدينة حمل المهاجرون في الحبشة اللواء، وكان المسلمون في الحبشة يقومون بدور المخزون الإستراتيجي الهام للمسلمين، وكانوا على استعداد للرجوع إلى المدينة في أي لحظة إذا طلبت منهم القيادة ذلك.

كانت الأدوار موزعة على المسلمين بدقة، طائفة من المسلمين يقومون بالبناء هناك في أواخر الفترة المكية، وفي فترة المدينة هذه الطائفة معرضة لخطر شديد تقابل الموت في كل لحظة، وهناك طائفة أخرى كامنة في الحبشة، في ظاهر الأمر هم غير معرضين للأذى، لكن مهمتهم في غاية الخطورة، لقد كان عليهم أن يحملوا الدعوة بمفردهم إذا هلك المسلمون في المدينة، وقد يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم شخصياً وتصبح الأمانة معلقة في رقابهم وحدهم،


وهنا يتضح أمران:


الأول: أن هذا التوزيع للأدوار تم بمعرفة قيادة المسلمين المتمثلة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان هناك طاعة عظيمة جداً من الطرفين؛ الطرف الذي يعمل في المدينة، والطرف الذي يعمل في الحبشة، ولو ترك الأمر لكل فرد لدخل الهوى في الاختيار، قد يكون هوى المرء أن يظل بعيداً عن أرض القتال هناك في الأمان في الحبشة، وقد يكون هوى المرء أن يعمل للإسلام في مكان معين، كأن يعمل بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في قبيلة كذا أو كذا.

فحتى لا يتدخل الهوى في الاختيار وزع القائد صلى الله عليه وسلم الأدوار على المسلمين، وأطاع المسلمون في أدب جم، إذ لا يشترط الجندي الصادق عملاً معيناً أو مكاناً معيناً؛ لأن الجندي في الإسلام يعمل لله عز وجل، وفي كل مكان يوضع فيه بنفس الحمية، كما أن الأمر يحتاج أيضاً إلى تنظيم، مَنِ الذي يقوم بهذا الدور؟ ومن الذي يقوم بالدور الآخر؟ وحتى لا تختلط الأدوار على الناس يرجع في هذا إلى قيادة المسلمين والشورى ورأي المجموعة، وكل ذلك من أساسيات العمل الجماعي السليم الذي علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الثاني: أن المسلمين المهاجرين في الحبشة لم يكونوا في حالة ركون أو فتور، بل كانوا في إعداد وتدريب مستمر، لقد كان مستوى الإيمان لديهم رائعاً، وكان الاستعداد النفسي للعودة والمشاركة والوقوف في الصدارة ومواجهة الموت كاملاً، يثبت ذلك أنهم لما جاءتهم إشارة العودة عادوا دونما ضجر ولا اعتراض ولا إبطاء ولا طلب لفترة تجهيز وانتقال، ولما وصلوا إلى المدينة انخرطوا في الصف بسرعة، وحملوا المشاق مع المسلمين وكأنهم عاشوا معهم كل التجارب السابقة، حتى إنهم لما وصلوا إلى المدينة علموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح خيبر، وهي على بعد مائة كيلو في شمال المدينة المنورة، فتوجهوا جميعاً إلى خيبر للمشاركة في الغزو فوجدوها قد فتحت، وسر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جداً، وقال: (والله ما أدري بأيهما أفرح)، وفي رواية: (بأيهما أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر)،

وجعفر رضي الله عنه وأرضاه كان أمير المهاجرين في الهجرة الثانية للحبشة، ورأينا جعفر بن أبي طالب نفسه بعد أن عاد بـ (13) شهراً فقط خرج مجاهداً في سبيل الله في سرية مؤتة وكان أحد قوادها، وقاتل دون تردد، وأقدم دون إحجام، وثبت دون فرار، واستشهد رضي الله عنه وأرضاه دون خوف أو وجل، لقد جاء جعفر رضي الله عنه وأرضاه من الحبشة جاهزاً للقتال في سبيل الله، لقد كانت فترة الحبشة إعداداً وتربية للمسلمين، ولم تكن هروباً من الواقع.

إذاً: الهجرة إلى الحبشة كانت لإنشاء مركز جديد للدعوة يضمن لها الاستمرارية والبقاء، وكانت وسيلة جديدة في مواجهة أساليب البطش في أرض مكة .



سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 8- هجرة الحبشة الأولى-2


الهجرة إلى الحبشة للمحافظة على الدعوة



كانت الوسيلة الجديدة أمام الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه: هي الهجرة من أرض مكة إلى أرض أخرى جديدة ليس فيها تعذيب أو إيذاء أو استئصال للدعوة.
هذه خطوة تكتيكية من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سبقتها إشارات جاءت في كتاب الله عز وجل، فقد أنزل الله عز وجل سورة الزمر، وكان فيها: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10].

إذاً: أرض الله واسعة، وأعظم قطعة في الأرض هي القطعة التي يعبد فيها الله عز وجل، لا تفضل قطعة أخرى بأنهار أو أشجار أو أموال أو أهل وعشيرة، إنما الأرض الصالحة الطيبة هي الأرض التي يعبد فيها الله عز وجل، لذلك فكر المسلمون في ترك أشرف بقعة على الأرض مكة البيت الحرام إلى غيرها؛ لأنهم لا يستطيعون أن يعبدوا الله عز وجل كما يريدون في مكة، فليكن غيرها، المهم أن نعبد الله عز وجل دون أن نفتن في ديننا.

والهجرة وترك الديار والعشيرة ليس أمراً سهلاً، فالقرار صعب، ويحتاج إلى نفوس خاصة، ولابد أن نأخذ في الاعتبار أنهم لا يهاجرون من بلد إلى بلد لتحسين مستوى المعيشة، أو لجمع أموال ليست في بلادهم، أو لتحصيل علم ليس في مدينتهم، أو للحياة في مكان جميل، لا، بل هم يتركون بلادهم وقد استقرت أوضاعهم فيها لولا قضية الدعوة، سيتركونها إلى بلد آخر قد يكون فقيراً بعيداً حاراً أو بارداً مجهولاً، كل هذا لا لشيء إلا لعبادة الله عز وجل.

تخيل بمقياس الحاضر رجلاً يعيش في استقرار في بلد محبوب إلى قلبه، وأوضاعه مستقرة، ثم هو يقرر الهجرة إلى بلد آخر؛ لكي يعبد الله عز وجل بعد أن ضيق عليه في بلده.

لو كان سيهاجر إلى بلد أعظم رفاهية وأكثر أموالاً، لكان هذا أسهل، لكن أن يهاجر إلى بلد لا تهفو النفوس إليه عادة، فهو يحتاج إلى جهاد عظيم للنفس؛ ولذلك عظم الله أجر الهجرة عندما تكون في سبيله، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} [الحج:58 - 59].


لم يهاجر المؤمنون سعياً وراء الرزق، ولكن في ظاهر الأمر أنهم سيفتقدون الرزق؛ لأنهم سيتركون أعمالهم ويهاجرون إلى بلد قد لا يتوافر فيه عمل مناسب، فوعدهم الله عز وجل بالرزق الحسن في الجنة، فإنه على أسوأ الفروض في حسابات البشر سيقتل المهاجرون أو يموتون، فالله عز وجل يعد -ووعده الحق- أنهم لو قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقاً حسناً، بالإضافة إلى أنه قد علم المؤمن أن رزقه في الدنيا لن ينقص، وسيأتيه رغماً عن أنفه في بلده أو خارج بلده، في ظروف أو في ظروف أخرى {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات:22].

إذاً: نقف وقفة نحلل فيها، ونحاول الإجابة على سؤال هام: هل قرر المسلمون الهجرة للحفاظ على الدعوة أم الدعاة؟ قد تكون الفروق بين الإجابتين طفيفة، لكن عند التدقيق في الأمر نجد أن الفرق كبير جداً، هل يضحى بالدعوة من أجل الحفاظ على الدعاة، أم يضحى بالدعاة من أجل الحفاظ على الدعوة؟ واقع الأمر أن أهم شيء في حياة المؤمن هو الدين، والمقصد الأول من المقاصد التي جاء الشرع لحمايتها هو الدين، ومن أجله يضحى بكل شيء.

إذاً: يبذل المؤمنون أرواحهم للدفاع عن الدين، لكن لا يبذل المؤمنون دينهم للحفاظ على أرواحهم، بل يحض الله عز وجل المؤمنين على بذل أرواحهم حفاظاً على دينهم {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة:111].

إذاً: السبب الأول في الهجرة التي قررها رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو حماية الدعوة، بمعنى أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يجعل للدعوة محضناً آخر غير مكة، بحيث إذا استؤصل الدعاة في مكة تبقى طائفة أخرى في مكان آخر لاستمرار الدعوة.

إذاً: لم يكن السبب الأول في الهجرة هو الحفاظ على أرواح الدعاة، وإن كان هذا أمراً هاماً، ويؤيد هذا الرأي أن الرسول عليه الصلاة والسلام قرر أن يهاجر الصحابة رضوان الله عليهم للحفاظ على الدعوة لا على الدعاة، والذين طلب منهم أن يهاجروا كانوا من القرشيين، ولم تطلب الهجرة من الذين كانوا عبيداً، إنما هاجر القوم الذين يتمتعون بعصبية وقبلية، هاجر الأشراف أصحاب المنعة، ولم يهاجر الموالي والمستضعفون، ولو كان الهدف الأول هو حماية الأرواح لكان الأولى أن يهاجر هؤلاء الضعفاء.



سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 8- هجرة الحبشة الأولى-1



الدرس الثامن : هجرة الحبشة الأولى


عادة ما تتطلب الدعوات وهي تعيش على المحك بين حياتها وموتها إلى قرار صعب يقلب الموازين لصالحها، ومن هذا الباب اتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه قرار الهجرة إلى الحبشة، ذلك البلد البعيد الذي يحكمه ملك عادل، أمر بالهجرة أشراف أصحابه؛ لضمان سلامتهم، وحسن استقبالهم، ومن أجل إنصات الناس هناك في الحبشة لدعوتهم.


أسباب الهجرة إلى الحبشة والحكمة منها


إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الثامن من دروس السيرة النبوية المطهرة.


تحدثنا عن أساليب الكفار في صد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين عن طريق الدعوة والإسلام، وعن ثبات المؤمنين وصبرهم على التعذيب الشديد الذي حدث في أرض مكة في بيت الله الحرام، حيث تفرغ الكفار لحرب المؤمنين، وبدا واضحاً أن النية هي الاستئصال للطائفة الوحيدة التي تعبد الله حق العبادة على الأرض.

مسئولية ضخمة تقع على عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتْباعه: أن يصلوا بهذا الدين إلى أهل الأرض جميعاً، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لكم خاصة وللناس عامة)، وقد اشتد التعذيب بالمؤمنين في مكة، وكاد المسلمون أن يستأصلوا بالكلية، حينها يظهر حل عملي لإنقاذ الدعوة من الهلاك، وهو نوع من الأخذ بالأسباب، فالرسول صلى الله عليه وسلم يخطط تخطيطاً بشرياً لإنقاذ الدعوة ولإنقاذ المؤمنين.

كان من الممكن أن ينقذ الله عز وجل حبيبه ومن معه من المؤمنين بكلمة (كن) فيكون، أو ينقذهم بمعجزة خارقة للعادة، ولكن ليست هذه سنة الله عز وجل في التغيير، فالرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن نأخذ بالأسباب الواقعية التي كانت في يده كبشر، وهي في أيدينا الآن كبشر، ففكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسيلة جديدة لمجابهة طغاة مكة، ولم يكن في مقدور المؤمنين آنذاك أن يقاتلوا المشركين، فقد نهاهم الله عز وجل عن ذلك بقوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام:106].


سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 7- تربية الثبات-9


الحكمة الإلهية من عدم القتال في العهد المكي


قد يقول قائل: لماذا أمر الله عز وجل المسلمين بالكف عن القتال في مكة؟ ولماذا تحملوا الألم دون رد أو تغيير؟ يقول ربنا سبحانه وتعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام:106].
الحكمة الكاملة من وراء ذلك المنع لا يستطيع البشر أن يتوصلوا إليها، لكننا سنبحث فيما نعتقد أنه السبب أو الحكمة، حتى نتعلم كيفية العمل في الظروف المشابهة.

الحكمة الأولى من كف المسلمين عن القتال: التربية على نوع جديد من الصبر، لن يتعلمه المسلمون إلا في مثل ذلك الوضع.

الصبر أنواع كثيرة، والعربي بصفة عامة صبور، يصبر على الجوع، والحر، والفقر، وطول السفر، والآلام، والحروب، إلا أنه لا يصبر على تحمل الظلم، فله طبيعة ثائرة لا ترضى بالضيم والجور، يثور ولو ضاعت حياته، لكن الآن أصبحت لدى المؤمنين أبعاداً أخرى أعمق من متطلبات الفرد، وأصبح من أهداف المؤمن أن يقيم أمة ودولة ومجتمعاً،

ولا يستقيم للفرد أن ينظر إلى مصلحته الشخصية، بل يجب أن ينظر إلى مصلحة المجموع، وربنا سبحانه وتعالى يأمرهم ألا ينظروا إلى حظ نفوسهم، ولكن لصالح الأمة والجماعة، لأنه لا يمكن لأمة أن تقوم وأفرادها يقدمون مصالحهم الشخصية على مصالحها، فيتحتم عليهم الكف عن القتال، حتى يتربى المسلمون على هذا النوع الجديد من الصبر.

الحكمة الثانية: التربية على الطاعة لقيادة هذه الأمة الناشئة؛ لأن الاختبار الحقيقي للطاعة هو أن تطيع دون جدل ولا ضجر ولا اعتراض، في أمر لا تهواه نفسك في غير معصية للخالق سبحانه وتعالى، هذا هو المقياس الحقيقي للطاعة، كما حصل من خباب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـ خباب رأى أن استعجال النصر مصلحة في ذلك الوقت، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب منه ذلك، فأوضح له رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر، وبين له ضرورة الصبر.

حينها سمع وأطاع وكف اليد وقبل الأمر، وتعلم شيئاً في منتهى الأهمية للجماعة وهو الطاعة لولي الأمر، لا جماعة بغير إمرة، ولا إمرة بغير طاعة، ومن غير هذا الجو من التعذيب والأمر بالصبر عليه لن يتعلم المسلمون الطاعة في مشوار حياتهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده.


إذاً: كانت الحكمة الثانية: تربية المسلمين على الطاعة المطلقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لأي قائد ما لم يأمر بمعصية لله عز وجل.

الحكمة الثالثة في كف المؤمنين عن القتال في مكة: أن الدعوة السلمية في هذه البيئة كانت تعطي نتائج أفضل.
ولبيان هذا الأمر نطرح سؤالاً: هل الغرض في النهاية هو حكم مكة أم إسلام مكة؟ الغرض إسلام مكة، ولا يهم من الذي سيحكمها بعد ذلك، المهم يحكمها بكتاب ربنا سبحانه وتعالى وبسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أن هذه البيئة المكية ألفت العنجهية والشرف والعلو والعزة، ولو فرضت عليها الرأي بالقوة لن تقبله، وسيحدث صراع مبكر بين المؤمنين والكافرين، وسيرفض الكافرون الدخول في هذا الدين عناداً، فهم يعاندون لضعف المسلمين، فكيف لو فرضوا عليهم الرأي بالقوة؟!

إذاً: لابد للداعية أن يدرس نفسيات من يدعوه من الناس، فمنهم من يتأثر بمظاهر الرحمة في الداعية، ومنهم من يتأثر بذكاء عقله، أو بقوة بدنه، ومنهم من يتأثر بلطفه وأدبه، وهكذا خلق الله عز وجل الناس مختلفين، ولابد للداعية أن يتعامل مع كل هذه النوعيات، ويراعي ظروف المدعو، وظروف البيئة التي يعيش فيها.

الحكمة الرابعة في كف المؤمنين عن القتال في مكة: تجنب الفتنة الخطيرة التي ستحدث في مكة وتؤدي إلى سمعة سيئة بالإسلام، وإلى الفتنة العظيمة، ولم يكن في أرض مكة حكومة مركزية تقوم بتعذيب الناس، بل تكفل كل زعيم بأتباعه، تكفل الوالد بولده، وشيخ القبيلة بأفراد قبيلته، والسيد بعبده، فمثلاً: مصعب بن عمير عذبته أمه، وعثمان بن عفان عذبه عمه، وخباب بن الأرت عذبته سيدته وهكذا، فلو قاتل المؤمنون دفاعاً عن أنفسهم، فإنهم سيقاتلون آباءهم وأعمامهم وقبائلهم، وفي هذا الموقف ما الذي سيقال عن الإسلام؟

إذا كان الكفار قد ادعوا أن الإسلام يفرق بين الولد ووالده، وبين الرجل وعشيرته، وبين المرء وزوجه من دون قتال، فكيف لو كان هناك قتال؟! إذاً: كانت هناك حاجة ملحة لتجنب الفتنة الكبيرة في داخل مكة، وللحفاظ على الصورة الجميلة للإسلام، وهي الصورة الواقعية لهذا الدين العظيم.

الحكمة الخامسة: أن الله عز وجل يعلم أن كثيراً من أهل الكفر سينتقلون بعد ذلك من معسكر الكفر إلى معسكر الإيمان، فالدعوة ما زالت في مهدها، ولم تأخذ الفرصة الكافية للوصول إلى قلوب الناس، وكثير منهم سيعترض في البداية ويتشدد، ثم لا يلبث أن يتبدل الأمر في أعينهم، من هؤلاء عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل، فكل هؤلاء أصبحوا بعد ذلك قادة يأخذون الإسلام إلى كل ربوع الأرض، فلو حصل القتال في أول فترة مكة لخسر الإسلام هؤلاء وأمثالهم.

الحكمة السادسة: أن النخوة التي كانت في قلوب كثير من العرب كانت تتأثر بصورة المظلوم الذي لا يستطيع رفع الظلم عن كاهله، فيتحرك العربي في شهامة ليرفع الظلم الذي يقع على المسلمين، مثل ما وقع في القصة إسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، فهو صورة من صور النخوة التي تحركت نتيجة الظلم الشديد الذي وقع على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكذلك الجوار الذي عرضه ابن الدغنة على الصديق لما أحس بأنه ظلم، فجاء وهو مشرك ليعرض الجوار على الصديق رضي الله عنه وأرضاه.
كذلك الصحيفة التي نقضها المشركون أنفسهم بعد ثلاث سنوات من المقاطعة، كانت صورة من صور النخوة نتيجة الظلم الشديد الذي وقع على المسلمين.

الحكمة السابعة: حتى لا يصطدم المسلمون بالنواميس الكونية، فمثلاً: النار تحرق، ولذلك فالمسلمون أو الناس بصفة عامة لا يلقون بأنفسهم فيها. من النواميس الكونية أيضاً: أن الذي يسقط في ماء عميق وهو لا يتقن السباحة يغرق، لذلك فالناس لا يتهورون بالنزول في ماء عميق دون إجادة للسباحة.

من النواميس الثابتة أيضاً: أن للباطل قوة، ولا يستقيم للمؤمنين أن يقولوا: إن الله معنا ونحن على الحق، ثم يلقون بأنفسهم في حرب خاسرة، ظناً منهم أنهم لا محالة سينتصرون، نعم، هم عباد الله وجند الله، ولابد أن ينتصروا، ولكن الإسلام دين واقعي عملي يقيس بدقة قوة الباطل، ويقدر القوة الكافية لردها، ويضع الخطة المناسبة للنصر، ويهيئ الصف الكفء للقتال، ثم يتوكل على الله عز وجل ويعتمد عليه ويقاتل؛ فالإسلام دين يحترم الأسباب.

ولو قام المؤمنون بثورة في مكة ما الذي سيحدث؟ سيقتلون رجلاً أو اثنين أو عشرة أو مائة من قريش، وبعد ذلك سيبادون عن آخرهم، نعم، الموت في سبيل الله غاية، لكن المؤمن لا يموت بغير ثمن، إن لم يغلب على الظن التمكين أو إحداث النكاية في العدو فلا معنى للقتال.

والمسلمون في مكة قلة مستضعفة، والقياسات المادية التي قدرتها قيادة المسلمين أن الوقت غير مناسب للقتال، ليس جبناً ولا ضعفاً ولكن حكمة وتدبيراً، وسيأتي يوم تأخذ فيه قيادة المسلمين قرار القتال في بدر وما بعد بدر، لكن المسلمون لا يتسرعون النتائج، ويدركون حقيقة ما يسمى بفقه المرحلة، يدرسون الظروف بإحكام، يضعون الخطة، ويطلبون المدد من الله عز وجل، ثم يقومون بما يناسب المرحلة، وقد يناسبها الكف عن القتال، أو دعوة سرية أو جهرية أو معاهدات ومفاوضات، أو جهاد واستشهاد،

وقد مر الرسول صلى الله عليه وسلم بكل هذه المراحل، ووضع لنا منهجاً دقيقاً نتبعه، لم يترك لنا موقفاً إلا وبين كيف نتعامل معه طبقاً لنواميس الكون لشرائع الإسلام ، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن مجرد رجل حكيم عبقري، لا، بل رسول من عند رب العالمين سبحانه وتعالى، ناقل لما أراده الله عز وجل منا في كل موقف؛ لذلك نحن ندرس حياة الرسول صلى الله عليه وسلم.

الحكمة الثامنة: أن القتال لم يكن ضرورة ملحة، فإن الدعوة كانت تسير في مكة بمشقة وبصعوبة، ولكنها في النهاية تسير، والرسول صلى الله عليه وسلم يخاطب الناس وهو تحت حماية سيوف بني هاشم، فـأبو طالب جعل الرسول صلى الله عليه وسلم قضية حياته، وكرس كل جهده لرد الكيد عنه، فلماذا لا يستغل المسلمون هذه الظروف إلى أن يأتي يوم آخر تتغير فيه الظروف، أو يموت فيه أبو طالب عندها ستتغير المرحلة؟

يعني: لم يكن هناك ضرورة للقتال، وعندما تكون هناك ضرورة لابد أن يقاتل المسلمون.

الحكمة التاسعة لكف المؤمنين عن القتال في مكة: هي أنه لو حدث قتال لاضطر المسلمون إلى كشف كل أوراقهم، وسيظهر كثير من المؤمنين الذين لم يعلم إيمانهم بعد، والمرحلة لا تتطلب ذلك، هذه المرحلة كانت تتميز بجهرية الدعوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللقليل من الصحابة ممن لهم منعة، مثل: أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه أو غيره، لكن عموم المسلمين لا يعلنون عن أنفسهم، ولو حدث القتال في أوائل فترة مكة لاكتشف أمر دار الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه، ولما استطاع المسلمون أن يحادثوا الأفواج التي تأتي إلى مكة وقت الحج، ولما استطاع المؤمنون أن يغادروا مكة إلى غيرها أو يدخلوا إليها، و ستوضع على المسلمين قيود شديدة ستؤخر الدعوة لا محالة.

إذاً: متطلبات هذه المرحلة أن يكف المسلمون اليد عن القتال؛ حتى لا يؤدي ذلك إلى كشف كل أوراق المسلمين في وقت يحتاجون فيه إلى التكتم الشديد.

الحكمة العاشرة: إظهار قدرة الله عز وجل وقوته وعزته وحكمته سبحانه وتعالى، ظهر أمام الجميع في مكة وما حولها في زمانهم وفي الأزمان التي تلت كيف كان المؤمنون ضعفاء.

وظهر واضحاً كيف أن القلة المؤمنة لا تملك مقومات الرد المادية فضلاً عن مقومات الانتصار، ثم ستظهر بعد ذلك آيات عجيبة لا تخطر على عقول البشر، سيدبر الإله الحكيم لأوليائه، فإذا بالضعف يتحول إلى قوة، وإذا بالذل يتحول إلى عزة، وإذا بالخوف يتحول إلى أمن، وإذا بالتعذيب والتشريد و الإهانة والقتل يتحول إلى سيادة وتمكين، سيكون هناك بدر والأحزاب وفتح مكة وتبوك وفتح فارس والروم..
وغيرها من المواقع، وسترى الأمم كيف سينتشر الإسلام؟

كل هذا من هؤلاء الضعفاء القلة الذين كانوا يعذبون في مكة، (( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ )) [النمل:88]، هذا دليل واضح على قدرة الله عز وجل.

إذاً: لهذه الأسباب وغيرها كف الله عز وجل المؤمنين عن القتال في فترة مكة، وسيأتي زمان بعد ذلك يسمح فيه بالقتال، ولكل مرحلة طبيعتها، وحتى تقلد الرسول صلى الله عليه وسلم يجب أن تعلم ما هي المرحلة التي أنت تعيشها، ومع أي مراحل الرسول صلى الله عليه وسلم تتشابه.

زاد تهور أهل الباطل في مكة وزاد التعذيب وضيق الأمر بشدة على المؤمنين، هنا انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه المرحلة التي مرت إلى مرحلة أخرى جديدة تناسب الحرب الضارية التي يشنها أهل الباطل في مكة، بدأ أهل الإيمان يتزايدون، وأصبح من الصعب أن يختفي كل هؤلاء في البلد الصغير مكة، فيكتشف أمرهم فما هو التصرف مع موقف مثل هذا؟ المصير تعذيب وتقتيل، والمسلمون ليست لهم طاقة في حرب أهل الباطل،

ما الحل الذي سيتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيأخذ قراراً جديداً وينتقل بالمسلمين من هذه المرحلة إلى مرحلة أخرى، ترى ما هي هذه المرحلة؟ وكيف سينتقل المسلمون إلى المرحلة الجديدة؟ وما ردة فعل الكافرين على ذلك؟ (( فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ )) [غافر:44]. وجزاكم الله خيراً كثيراً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



سلسلة السيرة النبوية د/ راغب السرجاني 7- تربية الثبات-8



العلم والقراءة


هناك أسباب أخرى للتربية والصبر استخرجتها من أوائل السور التي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، وفيها تعليم للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن يصبروا على هذا الطريق الطويل، ففي سورة المدثر يقول الله: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [المدثر:7].
وفي سورة المزمل: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} [المزمل:10].

من هذه الأسباب: العلم والقراءة كما في الآيات الخمس الأولى من سورة العلق: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق:1]، فمن يعرف أكثر سيصبر أكثر، والقراءة ليست هواية، بل لابد أن تقرأ حتى تتعلم وتصبر؛ لأنه من غير القراءة لا يمكن أن تحصل على العلم، ودروس العلم مهما كثرت لن تعطيك إلا جزءاً ضئيلاً من العلم الذي يفترض بك أن تحصله.

فلابد أن نقرأ ونعلم أولادنا القراءة، ونعلم إخواننا وكل مسلم حريص أن يصبر ويقرأ ويتعلم.


قيام الليل وقراءة القرآن والذكر


من الأسباب: قيام الليل، {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل:2 - 4]، لن يصبر المرء إذا لم يتعود على قيام الليل؛ لذلك فرض قيام الليل سنة كاملة، ولما نزل التخفيف ما تركه أحد منهم؛ لأنهم تعلموا في هذه المدرسة: إذا أردت أن تصبر فعليك بقيام الليل.

ومنها: قراءة القرآن: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل:4]، القرآن زاد لا يستطيع المسلم أن يصبر بدونه.

ومنها: الذكر، {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل:8]، أيضاً الذكر زاد لكل مسلم، وأي مسلم يريد أن يصبر لابد أن يذكر الله عز وجل ذكراً كثيراً، كما يقول سبحانه وتعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} [الأحزاب:35]، {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال:45]، فكلما ذكرت ربنا سبحانه وتعالى أكثر عودك على الصبر بصورة أكبر.


ترك المعاصي والذنوب

من الأسباب: ترك المعاصي والذنوب: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر:5]، الغارق في المعاصي كيف يمكن أن يصبر.

الأخوة في الله

من الأسباب: الأخوة في الله عز وجل: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} [الكهف:28]، عندما تجد أناساً معك يمشون في نفس الخط فهذا سيقوي قلبك على الصبر.
إذاً: هذه أمور تعين على الصبر، وهي: - تعظيم قدر الله عز وجل في القلب.
- تعظيم الآخرة.
- دراسة التاريخ.
- زرع الأمل في نفوس المؤمنين.
- العلم والقراءة.
- قراءة القرآن.
- قيام الليل.
- الذكر.
- ترك المعاصي والذنوب.
- الأخوة في الله عز وجل.
تلك عشرة كاملة، تحفظ؛ إذ ليس هناك صبر من غيرها.